حدائق الأنوار و مطالع الأسرار في سيرة النبي المختار - الحضرمي، محمد بن بحر - الصفحة ٥٧ - خطبة في التّعريف بمولده الشّريف، و قدره العليّ المنيف
و لعشر سنين من مبعثه الكريم؛ خصّه اللّه بالإسراء العظيم، فسار و جبريل مصاحب له إلى أعلى السّماوات العلى، و جاوز سدرة المنتهى، و شرف بالمناجاة في المقام/ الأسنى، و نال من القرب ما ترجم عنه: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [سورة النّجم ٥٣/ ٩].
ثمّ هاجر إلى دار هجرته، و مأوى أنصاره و أسرته، فسلّ سيف الحقّ من غمده، و جاهد في سبيل اللّه غاية جهده، حتّى فتح اللّه له أقفال البلاد، و مكّنه من نواصي العباد [١]، و أظهر دينه على الدّين كلّه.
ثمّ توفّاه عند حضور أجله، إلى ما أعدّ اللّه له في جنّات النّعيم، من الكرامة و الفوز العظيم.
فسبحان من حباه بأنواع الإكرام، و أرسله رحمة لجميع الأنام، و جعله سيّد ولد آدم و معوّلهم، و خاتم النّبيّين و أوّلهم، و نسخ بشرعه الشّرائع، و ملأ بذكره المسامع، و شرّف برسالته المنائر [٢] و المنابر، و قرن ذكره بذكره في لسان كلّ ذاكر، و ذلّل كلّ صعب لطلّابه، و أمدّه بملائكته الكرام تجاهد في ركابه.
نسأل اللّه تعالى الّذي أكرمنا بظهوره، و أخرجنا من ظلمات الكفر بنوره: أن يجعلنا و إيّاكم ممّن شملته برحمته العناية، و لاحظته في جميع أحواله عين الرّعاية. و أن يشرّفنا في هذه الدّنيا بطاعته، و اتّباع سنّته، و اغتنام زيارته، و يحشرنا يوم القيامة في شفاعته و زمرته.
[١] النّواصي: النّاصية؛ مقدّم الرّأس.
[٢] المنائر: الماذن. و تجمع المنارة على القياس منارات، و على غير قياس: منائر.