المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٧ - ٤٧٤- الحارث المتنبي الكذاب
فطلبه فلم يجده، فقال أصحابه: هيهات تريدون أن تقتلوا نبي اللَّه، إنه قد رفع إلى السماء، قال: فطلبه في شق كان قد هيأه سربا، فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا هو بثوبه، فاجتره فأخرجه إلى خارج، ثم قال للفرغانيين: اربطوه، فربطوه. فبينا هم يسيرون على البريد إذ قال: أ تقتلون رجلا أن يقول ربي اللَّه، فقال أهل فرغانة أولئك العجم: هذا كراننا فهات كرانك أنت، فساروا به حتى أتي به عبد الملك، فلما سمع به أمر بخشبة فنصبت فصلبه، و أمر بحربة و أمر رجلا فطعنه فأصاب ضلعا من أضلاعه فكفت [١] الحربة، فجعل الناس يصيحون: الأنبياء لا يجوز فيهم السلاح، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين تناول الحربة ثم مشى إليه، ثم أقبل يتحسس حتى وافى بين ضلعين فطعنه بها فأنفذه فقتله.
و روى أبو الربيع عن شيخ أدرك القدماء، قال: لما حمل الحارث على البريد، و جعلت في عنقه جامعة من حديد فجمعت يده إلى عنقه، فأشرف على عقبة بيت المقدس تلى هذه الآية: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَ إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي. فتقلقلت الجامعة ثم سقطت من يده و رقبته إلى الأرض، فوثب الحرس فأعادوها، ثم ساروا به فأشرف على عقبة أخرى فقرأ آية فسقطت من رقبته فأعادوها، فلما قدموا على عبد الملك حبسه و أمر رجالا من أهل الفقه و العلم أن يعظوه و يخوفوه و يعلموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم. فصلب و جاء رجل بحربة فطعنه فانثنت، فتكلم الناس و قالوا: ما ينبغي لمثل هذا أن يقتل. ثم أتاه حرسي برمح دقيق فطعنه بين ضلعين من أضلاعه فأنفده.
قال مؤلف الكتاب [٢]: و سمعت من قال: قال/ عبد الملك للذي ضربه بالحربة فانثنت: أذكرت اللَّه حين طعنته؟ قال: نسيت، قال: فاذكر اللَّه. ثم اطعنه، و طعنه فأنفذها.
[١] في معجم البلدان: «فكاعت الحربة».
[٢] «قال مؤلف الكتاب»: ساقطة من ت.