المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨٤ - ٤٤١- قيس بن ذريح بن الحباب بن شبه بن حذافة
فزاد كما زدنا فأصبح ناميا * * * و ليس إذا متنا بمنصرم [١] العهد
و لكنّه باق على كلّ حادث * * * و زائرنا في ظلمة القبر و اللّحد
فقال له الطبيب: إن مما يسليك عنها أن تذكر مساوئها و ما تعافه النفس منها من أقذار بني آدم، فقال:
إذا عبتها شبهتها البدر طالعا * * * و حسبك من عيب لها شبه البدر
لقد فضّلت لبني على الناس مثلما * * * على ألف شهر فضّلت ليلة القدر
إذا ما مشت شبرا من الأرض أرجفت * * * من البهر حتى ما تزيد على شبر
لها كفل يرتج منها إذا مشت * * * و قدّ كغصن البان منضمر [٢] الخصر
فدخل أبوه و الطبيب عنده، فجعل يعاتبه و يقول: يا بني اللَّه اللَّه في نفسك، فإنك إن دمت على هذا مت.
فقال:
و في عروة العذريّ إن متّ أسوة * * * و عمرو بن عجلان الّذي قتلت هند
و بي مثل ما ماتا به غير أنني * * * إلى أجل لم يأتني وقته بعد
و قال:
هل الحبّ إلّا عبرة بعد زفرة * * * و حرّ على الأحشاء ليس له برد
و فيض دموع تستهل إذا بدا * * * لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو
قال: فلما طال على قيس ما به أشار قومه على أبيه أن يزوجه امرأة جميلة لعله يسلوبها، فدعاه إلى ذلك فأبى، فأعلمهم أبوه بما رد عليه، فقالوا له: مره بالمسير في أحياء العرب و النزول عليهم لعله يبصر امرأة تعجبه، فأقسم عليه أن يفعل، فسار حتى نزل بحي فرأى جارية كالبدر، فقال: ما اسمك يا جارية؟ فقالت: لبني، فسقط على وجهه فارتاعت، و قالت: إن لم يكن هذا قيس بن ذريح، إنه لمجنون، فلما أفاق سألته أن يصيب من طعامهم، فأكل و ارتحل، فأتى أخوها فرأى مناخ الناقة فلحقه فرده، فلم
[١] في الأصول: «و ليس و إن متنا بمنقصم».
[٢] في ت و الأغاني «مفطمر».