المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٨ - ٤٧٧- عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، و يكنى أبا جعفر
كنت بايعها من أحد لآثرتك و لكني كنت مازحا و ما أبيعها بملك الدنيا/ لحرمتها بي و موضعها من قلبي، فقال العراقي: إن كنت مازحا فإنّي كنت جادا، و ما اطلعت على ما في نفسك، و قد ملكت الجارية و بعثت إليك بثمنها، و ليست تحل لك، و ما لي من أخذها بد، فمانعه أياما، فقال: ليست لي بينة و لكني استحلفك عند قبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و منبره.
فلما رأى عبد اللَّه الجد، قال: بئس الضيف أنت، ما طرقنا طارق و لا نزل بنا نازل أعظم بلية منك، أ تحلفني فيقول الناس: اضطهد عبد اللَّه ضيفه و قهره فألجأه إلى أن استحلفه، أما و اللَّه ليعلمن اللَّه عز و جل أني سأبليه في هذا الأمر الصبر و حسن العزاء، ثم أمر قهرمانه بقبض المال منه و تجهيز الجارية. فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، و قال: هذا لك و لك عوضا مما ألطفتنا، و اللَّه المستعان.
فقبض العراقي الجارية و خرج بها، فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة، إني و اللَّه ما ملكتك قط و لا أنت لي، و لا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، و ما كنت لأقدم على ابن عم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و أسلبه أحب الناس إليه لنفسي، و لكني دسيس من يزيد بن معاوية، و أنت له، و في طلبك بعث بي، فاستترى مني، فإن داخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي.
ثم مضى بها حتى ورد دمشق، فتلقاه الناس بجنازة يزيد و قد استخلف ابنه معاوية بن يزيد، فأقام أياما ثم تلطف للدخول إليه فشرح له القصة.
و يروى أنه لم يكن أحد من بني أمية يعدل بمعاوية بن يزيد في زمانه نبلا و نسكا، فلما أخبره قال: هي لك و كل ما دفعه إليك من أمرها فهو لك، فارحل من يومك فلا أسمع بخبرك في شيء من بلاد الشام.
فرحل العراقي ثم قال للجارية: إني قد قلت لك ما قلت حين خرجت بك من المدينة، فأخبرتك/ أنك ليزيد و قد صرت لي، و أنا أشهد اللَّه أنك لعبد اللَّه بن جعفر، و إني قد رددتك عليه فاستتري مني. ثم خرج بها حتى قدم المدينة، فنزل قريبا من عبد اللَّه، فدخل عليه بعض خدمه فقال له: هذا العراقي ضيفك الّذي صنع ما صنع، و قد نزل العرصة لا حياة اللَّه. فقال عبد اللَّه: مه، انزلوا الرجل و أكرموه، فلما استقر بعث