المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٨ - و في هذه السنة اجتمع الناس على عبد الملك
أخبرنا ابن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو القاسم [علي بن الحسن التنوخي، قال: حدّثنا محمد بن عبد الرحيم المازني، قال:
حدّثنا أبو علي الحسين بن القاسم] [١] الكوكبي، قال: حدّثنا أبو العباس الكديمي، قال: أخبرنا السلمي، عن محمد بن نافع مولاهم،/ عن أبي ريحانة أحد حجاب عبد الملك بن مروان، قال:
كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوسا عاما، فبينا هو جالس في مستشرف له و قد أدخلت عليه القصص، إذ وقعت في يده قصة غير مترجمة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته تغنيني ثلاثة أصوات ثم ينفذ فيّ ما يشاء من حكمه.
فاستشاط من ذلك غضبا، و قال: يا رباح، عليّ بصاحب هذه القصة، فخرج الناس جميعا و أدخل عليه غلاما كما أعذر كأهنأ الصبيان و أحسنهم، فقال له عبد الملك:
يا غلام هذه قصتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: و ما الّذي غرّك مني، و اللَّه لأمثلن بك، و لأردعن بك نظراءك من أهل الجسارة، عليّ بالجارية، فجيء بجارية كأنها فلقة قمر، و بيدها عود، فطرح لها كرسي و جلست، فقال عبد الملك: مرها يا غلام، فقال:
غني لي يا جارية بشعر قيس بن ذريح:
لقد كنت حسب النفس لو دام أو دنا * * * و لكنما الدنيا متاع غرور
و كنا جميعا قبل أن يظهر الهوى * * * فأنعم حالي غبطة و سرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا * * * بطون الهوى مقلوبة بظهور
فغنته و أجادت، فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا، ثم قال له عبد الملك: مرها تغنيك الصوت الثاني، فقال: غني بشعر جميل:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * * * بوادي القرى إني إذا لسعيد
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي * * * من الحب قالت ثابت و يزيد
و إن قلت ردي بعض عقلي أعش به * * * مع الناس قالت ذاك منك بعيد
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.