المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٢ - و في هذه السنة كانت وقعة دير الجماجم بين الحجاج و ابن الأشعث و ذلك في شعبان
إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من خيل البصريين [١]، فمنعوه نزول القادسية، ثم سايره حتى نزل دير قرّة. و نزل عبد الرحمن بن العباس دير الجماجم، و جاء ابن الأشعث فنزل دير الجماجم، و كان الحجاج يقول: ما كان عبد الرحمن/ يزجر الطير حين رآني نزلت دير قرة، و نزل دير الجماجم، فاجتمع أهل الكوفة و أهل البصرة، و أهل الثغور و المسالح بدير الجماجم و القراء من المصرين، كلهم اجتمعوا على حرب الحجاج، و كانوا مبغضين له و هم إذ ذاك مائة ألف مقاتل [ممن] [٢] يأخذ [٣] العطاء، و معهم مثلهم من مواليهم. و جاءت للحجاج أمداد من قبل عبد الملك، و اشتد القتال، فقيل لعبد الملك: إن كان إنما يرضي أهل العراق أن ينزع عنهم الحجاج فانزعه تحقن [به] [٤] الدماء، فإن نزعه أيسر من حربهم.
فأمر ابنه عبد اللَّه و أخاه محمد بن مروان أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم، و أن يجري عليهم أعطياتهم كما تجري على أهل الشام، فإن هم قبلوا ذلك نزع عنهم الحجاج. و كان محمد بن مروان أمير العراق فإن هم لم يقبلوا ذلك فالحجاج أمير جماعة أهل الشام، و وليّ القتال، و محمد و عبد اللَّه في طاعته، فلم يأت الحجاج أمر قط كان أشد عليه و لا أغيظ له من ذلك مخافة أن يقبلوا فيعزل عنهم.
فكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين، و اللَّه لئن أعطيت أهل العراق نزعي فإنّهم لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك و يسيروا إليك، و لا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، أ لم تر و تسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان بن عفان، فلما سألهم: ما تريدون، قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تقم لهم قائمة حتى ساروا إليه فقتلوه، إن الحديد بالحديد يقرع [٥]، خار اللَّه لك فيما ارتأيت.
فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق إرادة العافية من
[١] كذا في الأصول، و في الطبري ٦/ ٣٤٦: «المصرين».
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من الطبري.
[٣] في الأصل: «تأخذ».
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من ت.
[٥] في تاريخ الطبري ٦/ ٣٤٨: «الحديد بالحديد يفلح».