المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٩
الحجاج بن يوسف. أما بعد، فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها و عدوت طورك و جاوزت قدرك، و أردت أن تروزني، فإن سوغتكها مضيت قدما، و إن [لم] رجعت القهقرى فلعنك اللَّه عبدا أخفش العينين، منقوص الجاعرتين، أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، و حفرهم الآبار بأيديهم، و نقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا ابن المستفرمة بعجم الزّبيب، و اللَّه لأغمزنك غمزة الليث الثعلب، و الصقر الأرنب، وثبت على رجل من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم بين أظهرنا فلم تقبل له إحسانه، و استخفافا منك بالعهد، و اللَّه لو أن اليهود و النصارى رأت رجلا خدم عزير بن عزرة و عيسى بن مريم لعظمته و شرفته و أكرمته، فكيف و هذا أنس بن مالك خادم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، خدمه ثماني سنين يطلعه على سره، و يشاوره في أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم. فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه و نعله، و إلا أتاك مني سهم مثكل بحتف قاض، و لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ [١].
فأتاه فترضاه. و ما عرف لعبد الملك منقبة أكرم منها.
أخبرنا محمد بن ناصر، قال: أخبرنا محمد بن علي النرسي، قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه محمد بن علي بن عبد الرحمن الحسني، قال: أخبرنا زيد بن جعفر بن حاجب، قال: أخبرنا صالح بن وصيف الكناني، قال: حدّثنا أبو المعمر محمد بن مسلم بن عثمان الأموي، قال: حدّثني محمد بن سهل بن عمير المازني، قال: حدّثني أبي، قال:
عرض الحجاج بن يوسف خيلا له، فأرسل إلى أنس بن مالك خادم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فقال له: أين هذه من التي كانت مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فقال أنس: تلك و اللَّه كما قال اللَّه عز و جل: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ [٢] و هذه هيئت للرياء و السمعة، فقال له الحجاج: لو لا كتاب أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان أتاني لفعلت و فعلت، فقال له أنس: تاللَّه، لم تقدر على ذلك، علمني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم كلمات أتحرز بهن من كل شيطان مريد، و من كل جبار عنيد، قال: فجثا الحجاج على ركبتيه ثم قال: علمنيهن يا عم، قال: تاللَّه لست لهن
[١] سورة الأنعام، الآية: ٦٧.
[٢] سورة: الأنفال، الآية: ٦٠.