المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٧ - و في هذه السنة اجتمع الناس على عبد الملك
فمرة يحمل ابن الزبير في هذه الناحية، و مرة في هذه الناحية، كأنه أسد لا يقدم عليه الرجال، و قالت لابن الزبير/ زوجته: اخرج أقاتل معك؟ فقال: لا، و أنشد:
كتب القتل و القتال علينا * * * و على المحصنات جر الذيول
فلما كان يوم الثلاثاء صبيحة سبع عشرة من جمادى الأولى سنة ثلاث و سبعين و قد أخذ الحجاج على ابن الزبير الأبواب، و بات ابن الزبير يصلي ليلته، ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى، ثم انتبه، فقال: أذن يا سعد، فأذن عند المقام، و توضأ ابن الزبير، و ركع ركعتي الفجر ثم تقدم، و أقام المؤذن، فصلى بأصحابه، فقرأ: ن وَ الْقَلَمِ. و قال:
من كان سائلا عني فإنّي في الرعيل الأول، و أنشد:
و لست بمبتاع الحياة بسبّة * * * و لا مرتق من خشية الموت سلّما
ثم قال: احملوا على بركة اللَّه، ثم حمل حتى بلغ بهم الحجون، فرمي بآجرة فأصابته في وجهه فأرعش لها و دمي وجهه، فلما وجد سخونة الدم تسيل على وجهه و لحيته، قال يرتجز [١]:
فلسنا على الأعقاب تدمي كلومنا * * * و لكن على أقدامنا تقطر الدّما
و تغاووا عليه [٢] فقتل.
و جاء الخبر إلى الحجاج فسجد و سار حتى وقف عليه و معه طارق بن عمرو، فقال طارق: ما ولدت النساء أذكر من هذا فبعث الحجاج رأسه و رأس عبد اللَّه بن صفوان و رأس عمارة بن عمرو إلى المدينة، فنصبت بها، ثم ذهب بها إلى عبد الملك، و سيأتي تمام قصة ابن الزبير في ذكر من مات في هذه السنة.
و في هذه السنة اجتمع الناس على عبد الملك
فكتب إليه ابن عمر، و أبو سعيد، و سلمة بن الأكوع بالبيعة، و كان عبد الملك يجلس للناس في كل أسبوع يومين.
[١] البيت للحصين بن الحمام المري (ديوان الحماسة بشرح المرزوقي ١/ ١٩٢).
[٢] في الأصل: «و تعاونوا عليه» و في ت: «تغاءروا» و ما أوردناه من الطبري.