المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٥ - ٤٧٤- الحارث المتنبي الكذاب
غيّا، فكتب إليه: يا بني، أقبل على ما أمرت به إن اللَّه يقول: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [١] و لست بأفاك و لا أثيم، فامض لما أمرت به، و كان يجيء إلى أهل المسجد رجلا رجلا، فيذاكرهم أمره. و يأخذ عليهم العهد و الميثاق إن هو رأى ما يرضي قبل، و إلا كتم عليه، و كان يريهم الأعاجيب، كان يأتي إلى رخامة [في] المسجد فينقرها بيده فتسبح. و كان يطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء و يقول: اخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرجهم إلى دير المرّان، فيريهم رجالا على خيل. فتبعه بشر كثير، و فشا الأمر و كثر أصحابه حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة [٢] [فعرض على القاسم، و أخذ عليه العهد و الميثاق إن رضي أمرا قبله، و إن كره كتم عليه] [٣] فقال له: إني نبي، فقال القاسم: كذبت يا عدو اللَّه، فقال له أبو إدريس: بئس ما صنعت، إذ لم تلين له حتى نأخذه، الآن يفر و قام [القاسم] [٤] من مجلسه حتى دخل على عبد الملك فأعلمه بأمره، فبعث عبد الملك [٥] في طلبه فلم يقدر عليه، و خرج عبد الملك حتى نزل الصّبيرة [٦] و اتهم عامة عسكره بالحارث أن يكونوا يرون رأيه، و خرج الحارث حتى أتى بيت المقدس فاختفى فيه، و كان أصحابه يخرجون فيلتمسون الرجال، فيدخلونهم عليه، و كان رجل من أهل البصرة قد أتى بيت المقدس فدخل على الحارث فأخذ في التحميد، ثم أخبره بأمره و أنه نبي مبعوث/ مرسل، فقال له: إن كلامك لحسن و لكن في هذا نظر. قال: فانظر. فخرج البصري ثم عاد إليه فرد عليه كلامه، فقال: إن كلامك لحسن، قد وقع في قلبي و قد آمنت بك و هذا الدين المستقيم، فأمر ألا يحجب، فأقبل البصري يتردد إليه و يعرف مداخلة و مخارجه و أين يهرب حتى إذا صار أخص الناس به. ثم قال له: ائذن لي، قال:
إلى أين؟ قال: إلى البصرة أكون أول داعية لك بها، فأذن له.
[١] سورة: الشعراء، الآية: ٢٢١، ٢٢٢.
[٢] في الأصل: «إلى الحارث بن مخيمرة». و ما أوردناه من ت، و هو يوافق ما في المراجع.
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من معجم البلدان.
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٥] «فأعلمه بأمره فبعث عبد الملك»: ساقط من ت.
[٦] في الأصل: «فنزل ضمير» خطأ. و التصحيح من اللَّه و معجم البلدان.