المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٦ - ٤٧٤- الحارث المتنبي الكذاب
فخرج مسرعا إلى عبد الملك و هو بالصبيرة [١]، فلما دنا من سرادقه صاح:
النصيحة النصيحة، فقال أهل العسكر: و ما نصيحتك؟ قال: نصيحة لأمير المؤمنين، قالوا: قل، قال [٢]: حتى أدنو [٣] من أمير المؤمنين، فأمر عبد الملك أن يأذنوا له، فدخل و عنده أصحابه. قال: فصاح: النصيحة النصيحة النصيحة، قال: اخلني لا يكن عندك أحد، فأخرج من في البيت، ثم قال له: أدنني، قال: ادن، فدنا من عبد الملك على السرير، قال: ما عندك؟ قال: الحارث، فلما ذكر الحارث رمى بنفسه عن السرير ثم قال: و أين هو؟ قال: يا أمير المؤمنين هو بيت المقدس، عرفت مداخلة و مخارجه، فقص عليه قصته و كيف صنع به، فقال: أنت صاحبه، و أنت أمير بيت المقدس و أمير ها هنا فمرني بما شئت، فقال: يا أمير المؤمنين، ابعث معي قوما لا يفهمون [٤] الكلام، فأمر أربعين رجلا من فرغانة، فقال: انطلقوا مع هذا فما أمركم من شيء فأطيعوه. و كتب إلى صاحب بيت المقدس: إن فلانا الأمير عليك حتى تخرج فأطعه فيما أمرك به.
فلما قدم بيت المقدس أعطاه الكتاب، فقال: مرني بما شئت، فقال: اجمع لي كل شمعة تقدر عليها ببيت المقدس، و ادفع كل شمعة إلى رجل و رتبهم على أزقة بيت المقدس، و زواياها فإذا قلت: أسرجوا أسرجوا جميعا. فرتبهم في أزقة بيت المقدس و زواياها [٥] بالشمع و تقدم البصري وحده إلى منزل الحارث، فأتى الباب، فقال للحاجب: استأذن لي على نبي اللَّه، قال: في هذه الساعة ما يقدرون عليه و ما يؤذن عليه حتى يصبح، قال: أعلمه أني إنما رجعت شغفا [٦] إليه قبل أن أصل/ فدخل عليه فأعلمه بكلامه، فأمره ففتح، قال: ثم صاح البصري: أسرجوا، فأسرجت الشموع حتى كانت كأنها النهار [٧]. ثم قال: من مر بكم فاضبطوه، و دخل هو إلى الموضع الّذي يعرفه
[١] في الأصل: «بالضمير». و في ت: «بالبصيرة». و كلاهما خطأ.
[٢] «قالوا: قل، قال»: ساقط من ت.
[٣] في ت: «حتى دنا من أمير المؤمنين».
[٤] في معجم البلدان: «لا يفقهون».
[٥] «فإذا قلت أسرجوا ... بيت المقدس و زواياها»: ساقط من ت.
[٦] في ت: و معجم البلدان: «شوقا» و المعنى واحد.
[٧] في ت: «كأنها النار». و في معجم البلدان: «حتى كان بيت المقدس كأنه نهار».