المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٦ - ٤٤٨- قيس بن الملوح بن مزاحم، و هو مجنون ليلى
قال: فسألتهم عنه، فقالوا: هذا قيس الّذي يقال له المجنون، خرج به أبوه لما بلي به يستجير له ببيت اللَّه الحرام و قبر محمد (عليه السلام) فلعل اللَّه أن يعافيه. قال: فقلت لهم: فما لكم تمسكونه؟/ قالوا: نخاف أن يجني على نفسه جناية تتلفه. قال: و هو يقول: دعوني أتنسم صبا نجد، فقال لي بعضهم: ليس يعرفك [١]، لو شئت دنوت منه فأخبرته أنك قدمت من نجد، و أخبرته عنها، قلت: نعم أفعل، فدنوت منه، فقالوا: يا قيس، هذا رجل قدم من نجد. قال: فتنفس حتى ظننت أن كبده قد تصدعت، ثم جعل يسائلني عن موضع موضع و واد واد، و أنا أخبره و هو يبكي، ثم أنشأ يقول:
ألا حبذا نجد و طيب ترابه * * * و أرواحه إن كان نجد على العهد
أخبرنا ابن ناصر بإسناد له عن زياد بن الأعرابي، قال: لما تشبث المجنون بليلى و اشتهر بحبها [٢] اجتمع إليه أهلها فمنعوه من محادثتها و زيارتها و تهددوه و توعدوه بالقتل، و كان يأتي امرأة فتعرف [له] [٣] خبرها، فنهوا تلك المرأة عن ذلك، فكان يأتي غفلات الحيّ في الليل، فلما كثر ذلك خرج أبو ليلى و معه نفر من قومه إلى مروان بن الحكم فشكوا إليه ما ينالهم من قيس بن الملوح، و سألوه الكتاب إلى عامله بمنعه من كلام ليلى، و يتقدم إليه في ترك زيارتها، فإذا أصابه أهلها عندهم فقد أهدر دمه.
فلما ورد الكتاب على عامله بعث إلى قيس و أبيه و أهل بيته، فجمعهم و قرأ عليهم كتاب مروان، و قال لقيس: اتّق اللَّه في نفسك لا تذهب دمك هدرا، فانصرف قيس و هو يقول:
ألا حجبت ليلى و آلى أميرها * * * عليّ يمينا جاهدا لا أزورها
و واعدني [٤] فيها رجال أبوهم * * * أبي و أبوها خشّنت لي صدورها
على غير شيء [٥] غير أني أحبها * * * و أن فؤادي عند ليلى أسيرها [ (٦
[١] في الأصل: «لعله يعرفك» و ما أوردناه من ت.
[٢] في ت: «نسب المجنون بليلى، و شهر بحبها».
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٤] في الأغاني: «و أوعدني».
[٥] في الأغاني: «على غير جرم».
[٦] في الأغاني: «و إن فؤادي رهنها و أسيرها».