المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٦١ - ولاية الحجاج الكوفة و خطبته في أهلها
استوثقوا و استقيموا، و تابعوا و بايعوا، و جانبوا و احذروا و اتقوا، و اعلموا أنه ليس مني الإكثار و لا الإهذار، و لا مع ذلك الفرار و لا النفار، و إنما هو انتضاء السيف، ثم لا يغمد الشتاء و لا الصيف حتى تفيئوا إلى أمر اللَّه، و تجتمعوا [١] إلى طاعته و طاعة أمير المؤمنين حتى يذل اللَّه له صعبكم، و يقيم أودكم، و يلوي به صغيركم.
ألا و إني وجدت الصدق مع البر، و البر في الجنة، و ألفيت الكذب مع الفجور، و الفجور في النار. و قد وجهني أمير المؤمنين إليكم و أمرني بإعطائكم عطاياكم، و إشخاصكم إلى مجاهدة عدوكم، و قد أمرت بذلك لكم، و أجلتكم ثلاثا، و أعطي اللَّه عهدا يأخذه مني و يستوفيه/ علي، لئن بلغني أن رجلا تخلف منكم بعد قبض عطائه يوما واحدا لأضربن عنقه، و لأنهبن ماله. أقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين يا غلام، فقال الكاتب:
«بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه عبد الملك بن مروان إلى من بالعراق من المؤمنين و المسلمين، سلام عليكم». فلم يقل أحد شيئا، فغضب الحجاج و قال: يا أهل الفتن الداحية، و الأهواء الراثية، و الألباب الماجنة، أ يسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون (عليه السلام)، و اللَّه لأؤدبنكم غير أدب ابن أذينة- و كان ابن أذينة صاحب شرطه بالكوفة- و لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده شغلا، أعد القراءة يا غلام، فأعاد الكاتب، فلما بلغ قوله: سلام عليكم، قال جميع من في المسجد، و على أمير المؤمنين السلام و رحمة اللَّه و بركاته، ثم نزل فدخل الدار.
فلما كان اليوم الرابع أتاه عمير بن ضابىء البرجمي و معه ابنان له و قد ركب معه جماعة من البراجمة ألفا فارس و قالوا له: إن رأيت من الأمير ريب فدماؤنا دون دمك، فقال: أيها الأمير، إني شيخ كبير، و قد خرج اسمي في هذا البعث، و ابني هذا أقوى مني على السفر، و أجلد في الحرب، فإن رأى الأمير أن يمن عليّ بلزوم منزلي، و يقبل ابني بديلا فعل ذلك موفقا. فقال: نعم ذلك لك يا شيخ انطلق راشدا و ابعث ابنك بديلا.
فلما ولي قال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير، أ تعرف هذا الشيخ الّذي
[١] في ت: «و تجنحوا».