المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٩ - و في هذه السنة وجه عبد الملك عمر بن عبيد اللَّه لقتال أبي فديك
فلا أنا مردود بما جئت طالبا * * * و لا حبها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها * * * و يحيا إذا فارقتها فيعود
فغنته الجارية و سقط مغشيا عليه ساعة، ثم أفاق، فقال له عبد/ الملك: مرها فلتغنك الصوت الثالث. فقال: يا جارية غني بشعر قيس بن الملوح:
و في الجيرة الغادين من بطن و جرة * * * غزال غضيض المقلتين ربيب
فلا تحسبي أن الغريب الّذي نأى * * * و لكن من تنأين عنه غريب
فغنته الجارية، فطرح الغلام نفسه من المستشرق فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع. فقال عبد الملك: ويحه لقد عجل على نفسه، و لقد كان تقديري فيه غير الّذي فعل، و أمر فأخرجت الجارية من قصره، ثم سأل عن الغلام، فقالوا: غريب لا يعرف، إلا أنه منذ ثلاث ينادي في السوق و يده على رأسه:
غدا يكثر الباكون منا و منكم * * * و تزداد داري من دياركم بعدا
و في هذه السنة وجه عبد الملك عمر بن عبيد اللَّه لقتال أبي فديك
و أمره أن ينتدب معه من أحب، فقدم الكوفة فندب أهلها، فانتدب معه عشرة آلاف، فأخرج لهم أعطياتهم [١]، ثم سار بهم، فجعل أهل الكوفة على الميمنة و عليهم محمد بن موسى بن طلحة، و جعل أهل البصرة على الميسرة و عليهم ابن أخيه عمر بن موسى بن عبيد اللَّه، و هو في القلب، حتى انتهوا إلى البحرين، فصف عمر أصحابه، و قدم الرّجّالة في أيديهم الرماح، فحمل أبو فديك و أصحابه حملة واحدة فكشفوا ميسرة عمر، فارتث عمر [٢]، و حمل أهل الكوفة و أهل البصرة، و استباحوا عسكر العدو، و قتلوا أبا فديك، و حصروهم، فنزلوا على الحكم، فقتلوا منهم نحوا من ستة آلاف، و أسروا ثمانمائة، و انصرفوا إلى البصرة.
[١] «أعطياتهم» ساقطة من ت.
[٢] المرتث: الصريع الّذي يثخن في الحرب، و يحمل حيّا ثم يموت. و قيل: هو الّذي يحمل من المعركة و به رمق.