المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٥ - ٤٣٠- جميل بن معمر- و قيل ابن عبد اللَّه- بن معمر بن الحارث بن ظبيان
مصر فجئت لأودعكم و أحدث بكم عهدا، و أنا و اللَّه في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث أنتظر أن أجد فرصة حتى رأيت منحدر فتيانكم [١] العشية، فجئت لأجدد بكم العهد [٢] فحدثنا ساعة ثم ودعناه و انطلق. فما لبثنا إلا يسيرا حتى أتانا نعيه من مصر.
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي بإسناد له عن أبي بكر بن الأنباري، قال:
حدّثنا محمد بن المرزبان، قال: حدّثنا أبو بكر العامري، قال: حدّثنا علي بن محمد و هو المدائني، قال: حدّثني أبو عبد الرحمن العجلاني، عن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، قال:
كنت بالشام فقال لي قائل: هل لك في جميل فإنه لما به، فدخلت عليه و هو يجود بنفسه و ما يخيل لي أن الموت يكتربه، فقال لي: يا ابن سعد، ما تقول في رجل لم يسفك دما حراما قط، و لم يشرب خمرا قط، و لم يزن قط يشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه منذ خمسين سنة، قلت: من هذا؟ ما أحسبه إلا ناجيا، قال اللَّه تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً [٣] فلعلك تعني نفسك، قال: نعم، قلت: كيف و أنت تشبب ببثينة منذ عشرين سنة، قال: هذا آخر وقت من أوقات الدنيا، و أول وقت من أوقات الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط، و إن كان أكثر ما نلت منها إلا أني كنت آخذ يدها فأضعها على قلبي فأستريح إليها [٤]. ثم أغمي عليه و أفاق فأنشأ يقول:
صرح النعيّ و ما كنى بجميل * * * و ثوى بمصر ثواء غير قفول
و لقد أجر الذيل في وادي القرى * * * نشوان بين مزارع و نخيل
قومي بثينة فاندبي بعويل * * * و أبكي خليلك قبل كل خليل
ثم أغمي عليه فمات.
[١] في ت: «صبيانكم».
[٢] في ت: «لأجدد بكم عهدا».
[٣] سورة: النساء، الآية: ٣١.
[٤] في الأصل: «فأسترح إليها»، و ما أوردناه من ت.