المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٤ - ٤٣٠- جميل بن معمر- و قيل ابن عبد اللَّه- بن معمر بن الحارث بن ظبيان
بلغني أن كثير عزة لقي جميلا [١]، فقال له: متى عهدك ببثينة؟ قال: ما لي بها عهد منذ عام أول و هي تغسل ثوبا بوادي الدوم، فقال كثير: أ تحب أن أعدها لك الليلة؟
قال: نعم، فأقبل راجعا إلى بثينة، فقال له أبوها: يا فلان ما ردك؟ أما كنت عندنا قبيل؟
قال: بلى، و لكن حضرت أبيات قلتها في عزة، قال: و ما هي؟ فقال:
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي * * * على باب داري و الرسول موكل
أما تذكرين العهد يوم لقيتكم * * * بأسفل وادي الدوم و الثوب يغسل
فقالت بثينة: اخسأ، فقال أبوها: ما هاجك، قالت: كلب لا يزال يأتينا من وراء هذا الجبل بالليل و أنصاف النهار.
قال: فرجع إليه فقال: قد وعدتك وراء هذا الجبل بالليل و أنصاف النهار، فالقها إذا شئت.
و حكى أبو محمد بن قتيبة عن بعض الناس أنه قال: خرجت من تيماء فرأيت عجوزا على أتان، فقلت: ممن أنت؟ فقالت: من عذرة، قلت: هل تروين عن بثينة و جميل شيئا؟ فقالت: و اللَّه/ إني لعلى ماء من الجناب [٢] و قد اعتزلنا الطريق و قد خرج رجالنا في سفر و خلفوا عندنا غلمانا أحداثا، و قد انحدرا لغلمان عشية إلى صرم [٣] قريب منا يتحدثون إلى جوار منهم، و قد بقيت أنا و بثينة نستبرم غزلا لنا إذ انحدر علينا منحدر من هضبة حذاءنا، فسلم و نحن مستوحشون، فرددت السلام و نظرت فإذا رجل واقف شبهته بجميل، و دنا فأتيته فقلت: جميل، قال: أي و اللَّه، قلت: عرضتنا و نفسك للشر، فما جاء بك؟ قال: هذه الغول التي من ورائك، و أشار إلى بثينة، فإذا هو لا يتماسك، فقمت إلى قعب فيه أقط مطحون و تمر، و إلى عكة فيها سمن فعصرته على الأقط و أدنيته منه، فقلت: أصب من هذا، ففعل و قمت إلى سقاء فيه لبن، فصببت له في قدح، و شننت [٤] عليه من الماء فشرب و تراجع، فقلت: لقد جهدت فما أمرك؟ قال: أردت
[١] في الأصل: «أن كثير لقي عزة جميلا».
[٢] الجناب: موضع بعراض خيبر و سلاح و وادي القرى.
[٣] الصرم: الجماعة المنعزلة.
[٤] في الأصل: «و سيبت». و ما أوردناه من ت.