المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣ - و في هذه السنة جاء نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر و فيها بويع لمعاوية بن يزيد بالشام بالخلافة، و لعبد اللَّه بن الزبير بالحجاز
ساجدا يدعو و يقول: «اللَّهمّ إني لم أعتمد ما جرى، فلا تهلك عبادك بذنبي، و هذه ناصيتي بين يديك». فلما تعالى النهار أمن الناس و تراجعوا، فقال لهم: ينهدم في بيت أحدكم حجر فيبنيه و يصلحه، و أترك الكعبة خرابا. ثم هدمها مبتدئا بيده، و تبعه الفعلة إلى أن بلغوا إلى قواعدها، و دعي بناءين من الفرس و الروم. فبناها.
و في هذه السنة جاء نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر و فيها بويع لمعاوية بن يزيد بالشام بالخلافة، و لعبد اللَّه بن الزبير بالحجاز [١].
و لما هلك يزيد مكث الحصين بن نمير و أهل الشام يقاتلون ابن الزبير و لا يعلمون بموت يزيد أربعين يوما و قد حصروهم حصارا شديدا، و ضيقوا عليهم، فبلغ موته ابن الزبير قبل أن يبلغ حصين، فصاح بهم ابن الزبير: إن طاغيتكم قد هلك، فمن شاء منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فليفعل، و من كره فليلحق بشآمه، فما صدقوا، حتى قدم ثابت بن قيس بن المنقع [٢] النخعي، فأخبر الحصين بذلك، فبعث الحصين بن نمير إلى ابن الزبير: موعد ما بيننا و بينك الليلة الأبطح. [فالتقيا] [٣]، فقال له الحصين:
إن يك هذا الرجل قد هلك فأنت أحق بهذا الأمر، هلم فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام، فإن هذا الجند الذين معي [هم] وجوه أهل الشام و فرسانهم، فو اللَّه لا يختلف عليك اثنان [٤]، و تؤمّن الناس، و تهدر هذه الدماء التي كانت بيننا و بينك. فقال: لا أفعل، و لأقتلن بكل رجل عشرة [٥]. فقال الحصين: قد كنت أظن أن لك رأيا، أنا أدعوك إلى الخلافة و أنت تعدني بالقتل.
ثم خرج و صاح في الناس/ فأقبل بهم نحو المدينة، و ندم ابن الزبير على ما صنع، فأرسل إليه: أمّا أن أسير إلى الشام فلست فاعلا لأني أكره الخروج من مكة،
[١] تاريخ الطبري ٥/ ٥٠١.
[٢] في الأصل: «ابن المقفع» و ما أوردناه من الطبري.
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الطبري.
[٤] في الأصل: «لا يختلف عليك الناس» و ما أوردناه من الطبري.
[٥] في الطبري: «و لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة».