المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٤٢
كان سجن الحجاج بواسط، إنما هو حائط محوط، ليس فيه مآل/ و لا ظل و لا بيت [١]، فإذا آوى المسجونون إلى الجدران يستظلون بها رمتهم الحرس بالحجارة، و كان يطعمهم خبز الشعير مخلوطا به الملح و الرماد، فكان لا يلبث الرجل فيه إلا يسيرا حتى يسود فيصير كأنه زنجي، فحبس فيه مرة غلام، فجاءته أمه تتعرف خبره فصيح به لها، فلما رأته أنكرته و قالت: ليس هذا ابني، كان ابني أشقر أحمر و هذا زنجي، فقال لها: أنا و اللَّه يا أماه ابنك، أنا فلان و أختي فلانة و أبي فلان، فلما عرفته شهقت فماتت.
قال: و قال الحجاج ليزيد بن أبي مسلم: كم قد قتلنا في الظنة؟ قال: ثمانين ألفا [٢].
قال: و حرج من سجنه يوم مات الحجاج ما منهم من حل من قيد و لا غير حالا إلا في بلده الّذي كان منه.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، و محمد بن ناصر، قالا: أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار، قال: أخبرنا يحيى بن الحسين بن المنذر القاضي، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد بن سويد، قال: حدّثنا أبو بكر بن الأنباري، قال: حدّثني أبي، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن عثمان أبو العباس الوراق، و محمد بن أبي يعقوب الدينَوَريّ، قالا:
مرض الحجاج بن يوسف مرضا أشرف منه على الموت، فبلغه أن أهل الكوفة يرجعون بموته، فلما بريء صعد المنبر، فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة، يا أهل الشقاق و النفاق و مساوىء الأخلاق، قد نفخ الشيطان في معاطسكم- [٣] أو قال:
مناخركم [٤]- زعمتم أن الحجاج قد مات، فإن مات الحجاج فمه، و اللَّه ما يسرني أني لا أموت و ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت، و ما رضي اللَّه تعالى الخلود لأحد من خلقه إلا لأهونهم عليه إبليس، و لقد سأل العبد الصالح ربه فقال: رَبِّ [اغْفِرْ لِي] وَ هَبْ لِي مُلْكاً
[١] في ت: «ليس فيه سقف و لا بيت».
[٢] هذه الروآية ساقطة من ت.
[٣] في ت: «مناخركم».
[٤] أو قال مناخركم»: ساقطة من ت.