المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٥٨ - ولاية الحجاج الكوفة و خطبته في أهلها
إفراجة واحدة عن صحن المسجد، و إذا هم به يمشي، عليه عمامة حمراء قد تلثم بها و هو متنكب قوسا له عربية [١] و هو يؤم المنبر [٢]، قال: فما زلت أرميه ببصري حتى جلس [٣] على المنبر ما يحدر لثامه، و لا ينطق حرفا، و أهل الكوفة يومئذ ذو حالة حسنة و هيئة جميلة، في عز و منعة، فكان الرجل يدخل المسجد و معه الخمسة و العشرة و العشرون من مواليه و أتباعه عليهم الخزوز و القوهية، و في المسجد يومئذ عمير بن ضابىء البرجمي، و عبد الرحمن بن محمد الأشعث، و محمد بن عمير بن حاجب بن زرارة الحنظليّ، فابتدرنا عمير، فقال: أحصبه لكم، فقلنا: لا حتى نسمع ما يقول، فأبى عمير إلا أن يحصبه، فمنعناه، فقال: لعن اللَّه بني أمية حيث يستعملون مثل هذا، و ضيع و اللَّه العراق حيث صار مثل/ هذا عليها واليا، فو اللَّه لو كان هذا كله كلاما ما كان شيئا.
و الحجاج ساكت ينظر يمينا و شمالا، فلما رأى المسجد قد غص بأهله، قال: اجتمعتم، فلم يرد عليه أحد شيئا، فقال: كأني أرى قدر اجتماعكم، فقال رجل من القوم: قد اجتمعنا أصلح اللَّه الأمير، فسكت هنيهة، فلما رأى القوم أنه لا يحير جوابا قال بعضهم لبعض: ما يمنعه من الكلام إلا العي، و أهووا بأيديهم إلى الحصى ليحصبوه بها، ففطن الحجاج فوثب قائما و قد أحاط بالمسجد مائتا طائل، و مائتا دارع، و مائتا جاشن، و مائتا سائف، و مائتا رامح، على الطائلة سويد بن عدية العجليّ، و على الدارعة السكن بن يوسف الثعلبي، و على السائفة بدر بن مدركة اليشكري، و على البرامجة عطية بن حويرثة [٤] الأصبحي، فكان مما راعهم ذلك و أفزعهم، فأومأ الحجاج إلى الطائلة أن اسكتوا فسكتوا، فقال: أ فعلتموها يا أهل العراق و يا أهل العير الداجنة أنا الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر بن مسعود عظيم القريتين ابن معتب بن مالك بن عوف بن قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان بن مضر، ثم قال:
أنا ابن جلا و طلاع الثنايا * * * متى أضع العمامة تعرفوني
[١] في الأصل: «و هو متنكبا له قوسا عربية» و ما أوردناه من ت.
[٢] في الأصل: «فأم المنبر»، و ما أوردناه من ت.
[٣] في ت: «قعد».
[٤] في الأصل: «عطية بن حورثة»، و ما أوردناه من ت.