المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٢ - و فيها وجه الحجاج محمد بن عبد الرحمن بن الأشعث إلى سجستان لحرب رتبيل صاحب الترك
فقال: إن الأمير الحجاج ولاني ثغركم، و أمرني بجهاد عدوكم الّذي استباح بلادكم، و أباد أجنادكم، فإياكم أن يتخلف منكم رجل فتحل بنفسه العقوبة، اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا مع الناس.
فعسكر الناس و وضعت لهم الأسواق، و تهيأوا للحرب. فبلغ ذلك رتبيل. فكتب إلى عبد الرحمن يعتذر إليه من مصاب المسلمين، و يخبره أنه كان لذلك كارها، و أنهم ألجئوه إلى قتالهم، و يسأله الصلح، و يعرض عليه أن يقبل منه الخراج، فلم يجبه، و سار في الجنود إليه حتى دخل أول بلاده، و أخذ رتبيل يضم جنده إليه، و يدع له الأرض رستاقا و حصنا حصينا، و طفق [١] ابن الأشعث كلما حوى بلدا بعث إليه عاملا و أعوانا، و جعل الأرصاد على العقاب و الشعاب، و وضع المسالح بكل مكان مخوف، حتى إذا ملأ يديه من البقر و الغنم و الغنائم العظيمة حبس الناس عن الإيغال [٢] في أرض رتبيل، و قال: نكتفي بما قد أصبنا العام من بلادهم حتى نجبيها و نعرفها، ثم نتعاطى في العام المقبل ما وراءها، ثم لا نزال ننتقص في كل عام طائفة من أرضهم حتى نقاتلهم على كنوزهم و ذراريهم، و في ممتنع حصونهم، ثم كتب إلى الحجاج بذلك.
و ذكر بعض علماء السير في سبب تولية ابن الأشعث غير هذا، فقال: كان الحجاج قد وجه هميان بن عليّ السدوسي [٣] إلى كرمان، و كان عاملا على سجستان، فكتب الحجاج عهد ابن الأشعث عليها، و جهز إليها جيشا أنفق عليه ألفي درهم سوى أعطياتهم، و أمره بالإقدام على رتبيل.
و في هذه السنة أغزى عبد الملك ابنه الوليد.
و فيها حج بالناس أبان بن عثمان، و كان على المدينة، و قيل: بل سليمان بن عبد الملك، و كان على العراق و المشرق كله الحجاج، و على خراسان المهلب بن أبي
[١] في ت: «و جعل ابن الأشعث».
[٢] كذا في الأصول، و في تاريخ الطبري: «عن الوغول».
[٣] كذا في الأصول، و في الطبري: «هميان بن عدي السدوسي».