المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٧٧ - ٤٣٩- عدي بن حاتم الطائي، و أمه النوار بنت برمكة بن عكل، و يكنى أبا طريف
و اللَّه ما لي من عذر قد صنعت ما ذكرت، ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت: ما ترين في أمر هذا الرجل، و كانت حازمة- و كانت امرأة حازمة- فقالت: أرى و اللَّه أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فالسبق إليه أفضل، و إن يكن ملكا فلن تذل في عزّ اليمن، و أنت أنت، و أبوك أبوك، مع أني قد نبئت أن علية أصحابه قومك الأوس و الخزرج.
فخرجت حتى أقدم على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم، فدخلت و هو/ في مسجده، فسلمت [عليه] [١]، فقال: من الرجل؟ فقلت: عديّ بن حاتم، فانطلق بي إلى بيته، فو اللَّه إنه لعامد بي إلى بيته إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها، فقلت في نفسي: و اللَّه ما هذا بملك، أن للملك حالا غير هذا. ثم مضى حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا، فقدمها إلي [٢]، فقال: «اجلس على هذه» فقلت: لا بل أنت. فجلس عليها فرأى في عنقي وثنا من ذهب، فتلا هذه الآية:
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [٣]، فقلت: و اللَّه ما كانوا يعبدونهم، فقال: «أ ليس كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه و إذا حرموا عليهم شيئا حرموه» قلت:
بلى، قال: «فتلك عبادتهم». و قال: «إيه يا عدي، أ لم تكن تسير في قومك بالمرباع في مال فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك»، قلت: أجل و اللَّه. فعرفت أنه نبي مرسل. ثم قال: لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو اللَّه ليوشكن [هذا] المال [أن] [٤] يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، و لعلك إنما يمنعك ما ترى من كثرة عدوهم و قلة عددهم، فو اللَّه ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعير حتى تزور هذا البيت، لا تخاف، و لعلك إنما يمنعك من الدخول أن الملك و السلطان في غيرهم، و أيم اللَّه ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم». قال عدي: فأسلمت.
و كان عدي يقول: قد مضت اثنتان و بقيت واحدة: ليقض المال.
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من ت.
[٢] في ابن هشام: «فقذفها إليّ».
[٣] سورة: التوبة، الآية: ٣١.
[٤] في الأصول: «فو اللَّه ليوشكن المال يفيض». و ما بين المعقوفتين من ابن هشام.