المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٢ - فمن الحوادث فيها مسير أهل الشام إلى مكة لحرب عبد اللَّه بن زبير و من كان على مثل رأيه في الامتناع على يزيد بن معاوية
أحب إليّ من قتل أهل المدينة، و لا أرجى [عندي] [١] في الآخرة. و مات فدفن بالمشلل [٢].
ثم خرج الحصين بن نمير بالناس، فقدم على ابن الزبير مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعا و ستين يوما حتى جاءهم- يعنى يزيد بن معاوية- لهلال ربيع الآخر، و كان القتال في هذه المدة شديدا، و قذف البيت بالمجانيق [٣] في يوم السبت ثالث ربيع الأول، و أحرق بالنار، و كانوا يرتجزون و يقولون: [٤]
كيف ترى صنيع أم فروه * * * تأخذهم بين الصّفا و المروة
يريدون بأم فروة: المنجنيق.
و روى الواقدي، عن أشياخه [٥]: أنهم كانوا يوقدون حول البيت، فأقبلت شرارة فأحرقت ثياب الكعبة و خشب البيت في يوم السبت ثالث ربيع الأول.
و في رواية: أن رجلا أخذ قبسا في رأس رمح له، فطارت به الريح فاحترق.
و روى المدائني، عن أبي بكر الهذلي، قال [٦]: لما سار أهل الشام فحاصروا ابن الزبير سمع أصواتا من الليل فوق الجبل، فخاف أن يكون أهل الشام قد وصلوا إليه، و كانت ليلة ظلماء ذات ريح شديدة و رعد و برق، فرفع نارا على رأس رمح لينظر إلى الناس، فأطارتها الريح فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها و استطارت فيها، و جهد الناس في اطفائها فلم يقدروا/ فأصبحت الكعبة تتهافت، و ماتت امرأة من قريش، فخرج الناس كلهم مع جنازتها خوفا من أن ينزل العذاب عليهم، و أصبح ابن الزبير
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٢] في الطبري: «فدفن بقفا المشلل.
[٣] في الأصل: «بالمنجنيقات»، و ما أوردناه من الطبري.
[٤] كذا في الأصل، و في الطبري: «و أخذوا يرتجزون و يقولون:
خطارة مثل الغنيق المزبد * * * ترمي بها أعواد هذا المسجد
قال هشام: قال أبو عوانة: جعل عمرو بن حوط السدوسي يقول:
كيف ترى صنيع أم فروه * * * تأخذهم بين الصفا و المروة
[٥] تاريخ الطبري ٥/ ٤٩٨.
[٦] أوردها ابن كثير في البداية ٨/ ٢٤٤، دون نسبتها، فقال: «و قيل».