المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧٦ - ٥٠٤- عبد/ الملك بن مروان
و ألبس جلد النمر، وضعني في حفرتي، و خلني و شأني، و عليك بشأنك، و خذ سيفي هذا، فإنه السيف الّذي قتلت به عمرو بن سعيد، و ادع الناس إلى البيعة، فمن قال بسيفه هكذا فقل بسيفك هكذا، ثم تمثل بقول عيسى بن زيد حيث يقول:
فهل من خالد اما هلكنا * * * و هل بالموت يا للناس [١] عار
فلم يزل يردد هذا البيت حتى طفئ، فقام هشام بعد موته و كان أصغر الأربعة من ولده يقول:
فما كان قيس هلكه هلك واحد * * * و لكنه بنيان قوم تهدما
فلطمه الوليد و قال: اسكت يا ابن الأشجعية فإنك أحول أكشف تنطق بلسان شيطانك، ألا قلت كما قال أخو بني أسد بن حجر حيث يقول:
إذا مقرم منا ذرا حدّ نابه * * * تخمط [٢] فينا ناب آخر مقرم
قال: فقال مسلمة: فيم الصياح إنكم إن صلحتم صلح الناس بكم، و إن فسدتم فالناس إلى الفساد أسرع، ثم قال: أوه، و أنشد:
لقد أفسد الموت الحياة و قد أتى * * * على يومه علق إلي حبيب
فإن تكن الأيام أحسن مرة * * * إليّ لقد عادت لهن ذنوب
أتى دون حلو العيش حتى أمرّه * * * كروب على آثارهن كروب
فقال سليمان: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، مات و اللَّه أمير المؤمنين، فأصبح بمنزلة هو فيها و الذليل سواء. و سمع الناس الداعية، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى أخرجت الجنازة، و خرج الوليد في أثرها و هو محرم، فنظر إلى سعيد بن عمرو بن سعيد يحمل السرير، فقال: أ شماتة يا ابن اللخناء، ثم قصده بالقضيب، فحاصره فحذفه. فلما دفن عبد الملك صعد الوليد المنبر، فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: يا لها من مصيبة/ ما أعظمها و أفجعها و أخصها و أعمها وفاة أمير المؤمنين، و يا لها نعمة ما أجلها و أوجب
[١] في البداية: «بالموت للباقين».
[٢] في الأصل: «تحظم»، و التصحيح من اللسان مادة «قرم».