المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٦٣ - ولاية الحجاج الكوفة و خطبته في أهلها
فضرب عنقه، فإذا رأسه بين رجليه، ثم أخذ بلحيته فهزها و أخذ يتمثل بشعر يزيد بن أبي كاهل اليشكري:
ساء ما ظنوا و قد أبليتهم * * * عند غايات المدى كيف أقع
كيف يرجون سقاطي بعد ما * * * جلل الرأس بشيب و صلع
/ رب من أنضحت غيظا صدره * * * قد تمنى لي موتا لم يطع
و تراني كالشجى في خلقه * * * عسرا مخرجه ما ينتزع
و يحييني إذا لاقيته * * * و إذا يخلو له الحي رتع
ثم سمع ضوضاء، فقال: ما هذه الضوضاء، قالوا: البراجم بالباب تنتظر عميرا، فقال: اتحفوهم برأسه، فرمى بالرأس إليهم، فلما نظروا إليه ولوا هاربين لاحقين بمراكزهم، ثم انهم ازدحموا على الحسين بن أبي براء التميمي فاستنصروه، فقال: لأمهاتكم الهبل [١]، ألا تتقون اللَّه، تحملونني على إهراق الدماء، و اللَّه لا يترك الحجاج قدما إلا أوطأها عبد الملك بن مروان، و لا نزل بأحدكم أخرى إلا لحق بعمير و بمثله، و اللَّه يقرن الصعاب، و مر عبد اللَّه بن الزبير الأسدي بابن عم له يقال له إبراهيم، فقال: ما وراءك أبا حبيب، قال: ورائي كل بلية، قتل و اللَّه عمير بن ضابىء، النجاء النجاء، و أنشأ يقول:
أقول لإبراهيم لما لقيته * * * أرى الأمر أمسى هالكا متشعبا
ترحل فإما أن تزور ابن ضابىء * * * عميرا و إما أن تزور المهلبا [ (٢
هما خطتا كره نجاؤك منهما * * * ركوبك حوليا من الثلج أشبها
و إن على الحجاج فيه الية * * * بمعدلها نابا علوفا، و محلبا
فأضحى و لو كانت خراسان دونه * * * رآها مكان السوق أو هي أقربا
و إلا فما الحجاج مغمد سيفه * * * مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
و كم قد رأينا تارك الغزو ناكلا * * * ينكب حبو السرج حتى تنكبا
[١] الهبلة: الثكلة، و الهبل: الثكل.
[٢] الأبيات من هنا إلى آخرها ساقط من ت.