المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٧ - ٤٤٨- قيس بن الملوح بن مزاحم، و هو مجنون ليلى
فلما يئس منها و علم أن لا سبيل إليها صار شبيها بالتائه العقل،/ و أحب الخلوة و حديث النفس، و تزايد الأمر به حتى ذهب عقله، و لعب بالحصى و التراب، و لم يكن يعرف شيئا إلا ذكرها، و قول الشعر فيها، و بلغها ما صار إليه قيس فجزعت أيضا لفراقه، و ضنيت ضنى شديدا.
و قد روينا عن يونس النحويّ [١]: أن أم قيس سألت ليلى فحضرت عنده ليلا، و قالت: إن أمك تزعم أنك جننت على رأسي، فقال:
قالت جننت على رأسي [٢] فقلت لها * * * الحب أعظم مما بالمجانين
الحب ليس يفيق الدهر صاحبه * * * و إنما يصرع المجنون في الحين
فبكت معه و تحدثا حتى كاد الصبح [أن] [٣] يسفر، ثم ودعته و انصرفت، فكان آخر عهده بها.
و قد روينا أن أبا المجنون قيده، فجعل يأكل لحم ذراعيه، و يضرب بنفسه الأرض، فأطلقه يدور في الفلاة عريانا.
و لما زوجت ليلى، و قيل غدا ترحل، قال المجنون ينشد:
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى * * * بليلى العامريّة أو يراح
قطاة عزّها شرك فباتت * * * تجاذبه و قد علق الجناح
و روينا أن ليلى لما زوجت جاء المجنون إلى زوجها و هو يصلي في يوم شات، فوقف عليه ثم أنشأ يقول:
بربك هل ضممت إليك ليلى * * * قبيل الصبح أو قبلت فاها
و هل رفت عليك قرون ليلى * * * رفيف الأقحوانة في نداها
فقال: اللَّهمّ إذ حلّفتني فنعم، فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر، فما فارقهما حتى سقط مغشيا عليه، فسقط الجمر مع لحم راحتيه.
[١] الخبر في الأغاني: ٢/ ٣٤.
[٢] في الأغاني: «قالت جننت على أيش».
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الأغاني.