المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٧ - ٤٧٧- عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب، و يكنى أبا جعفر
فلما اطمأن العراقي سلم عليه و عرفه نفسه، و هيأ له بغلة فارهة و ثيابا من ثياب العراق و ألطافا، فبعث بها إليه، و كتب معها: يا سيدي، إني رجل تاجر، و نعم اللَّه علي سابغة، و قد بعثت إليك بشيء من طرف [١] و كذا من الثياب و العطر، و بعثت ببغلة خفيفة العنان وطية الظهر، و أنا أسألك بقرابتك من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم/ إلا قبلت هديتي، و لا توحشني بردها، إني أدين للَّه تعالى بحبك و حب أهل بيتك، و إن أعظم أملي في سفرتي أن أستفيد الأنس بك، و التحرم بمواصلتك. فأمر عبد اللَّه بقبض هديته و خرج إلى الصلاة، فلما رجع مرّ بالعراقي في منزله، فقام إليه و قبل يده، فرأى أدبا و ظرفا و فصاحة، فأعجب به و سر بنزوله عليه، فجعل العراقي في كل يوم يبعث إلى عبد اللَّه بطرف، فقال عبد اللَّه: جزى اللَّه ضيفنا هذا خيرا، قد ملأنا شكرا و ما نقدر على مكافأته. فإنه لكذلك إلى أن دعاه عبد اللَّه، و دعا بعمارة في جواريه، فلما طاب لهما المجلس و سمع غناء عمارة تعجب و جعل يزيد في عجبه، فلما رأى كذلك عبد اللَّه سرّ به إلى أن قال:
هل رأيت مثل عمارة؟ قال: لا و اللَّه يا سيدي ما رأيت مثلها، و ما تصلح إلا لك، و ما ظننت أن تكون في الدنيا مثل هذه الجارية، حسن وجه، و حسن عمل، قال: فكم تساوي عندك؟ قال: ما لها ثمن إلا الخلافة، فقال: تقول هذا لتزين لي رأيي فيها و تجلب سروري، قال له: يا سيدي، و اللَّه إني لأحب سرورك و ما قلت لك إلا الجد، و بعد فإنّي تاجر أجمع الدرهم على الدرهم طلبا للربح، و لو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، فقال عبد اللَّه: عشرة آلاف؟ قال: نعم. و لم يكن في ذلك الزمان جارية تعرف بهذا الثمن. فقال له عبد اللَّه: أنا أبيعكها بعشرة آلاف، قال: قد أخذتها، قال: هي لك، قال: قد وجب البيع.
و انصرف العراقي، فلما أصبح عبد اللَّه لم يشعر إلا بالمال قد وافى به، فقيل لعبد اللَّه: قد بعث العراقي بعشرة آلاف دينار و قال: هذا ثمن عمارة، فردها و كتب إليه إنما كنت أمزح معك، و إنما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها. فقال: جعلت فداك، إن الجد و الهزل في البيع سواء، فقال له عبد اللَّه: ويحك ما أعلم جارية تساوي ما بذلت، و لو
[١] في ت: «من لطف».