المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨٢ - ٤٤١- قيس بن ذريح بن الحباب بن شبه بن حذافة
فخفت عليك [و لا] [١] ولد لي سواك، و هذه المرأة ليست بولود فتزوج احدى بنات عمك لعل اللَّه أن يرزقك ولدا تقرّ به عينك و أعيننا، فقال قيس: لست متزوجا غيرها أبدا، قال أبوه، فتسرّ بالإماء، قال: و لا اسوءها بشيء و اللَّه أبدا، قال أبوه: فإنّي أقسم عليك إلا طلقتها، فأبى و قال: الموت عندي و اللَّه أسهل من ذلك، و لكني أخيرك خصلة من [ثلاث] [٢] خصال، قال: و ما هي؟ قال: تتزوج/ أنت فلعل اللَّه أن يرزقك ولدا غيري، قال: ما فيّ فضلة لذلك، قال: فدعني أ ترحل عنك بأهلي و اصنع ما كنت صانعا لو متّ في علّتي هذه، قال: و لا هذه، قال: فأدع لبني عندك و ارتحل عنك فلعلّي أسلوها فإنّي ما أحب [٣] بعد أن تكون نفسي طيبة فإنّها في خيالي، قال: لا أرضى أو تطلقها، و حلف لا يكنّه سقف أبدا حتى يطلّق لبني. و كان يخرج فيقف في حر الشمس، فيجيء قيس فيقف إلى جانبه فيظله بردائه و يصطلي هو بحر الشمس ثم يدخل إلى لبني فيعانقها و يبكي و تبكي هي معه، و تقول له: يا قيس، لا تطع أباك فتهلك و تهلكني، فيقول: ما كنت لأطيع فيك أحدا أبدا.
فيقال: إنه مكث لذلك سنة، و قيل: عشرين سنة، و هجره أبواه لا يكلمانه، فطلقها، فلما طلقها استطير عقله، و لحقه مثل الجنون، و جعل يبكي، فبلغها الخبر فأرسلت إلى أبيها ليحتملها، فأقبل أبوها بهودج و إبل، فقال قيس: ما هذا؟ فقالوا: لبني ترحل الليلة أو غدا، فسقط مغشيا عليه ثم أفاق، و جعل يقول [٤]:
و إنّي لمفن دمع عيني بالبكا * * * حذار الّذي قد كان أو هو كائن
و قالوا غدا أو بعد ذاك بليلة * * * فراق حبيب لم يبن و هو بائن
و ما كنت أخشى أن تكون منيّتي * * * بكفّيك إلّا أنّ ما حان حائن
و قال:
يقولون لبني فتنة كنت قبلها * * * بخير فلا تندم عليها و طلّق
[١] ما بين المعقوفتين: من هامش الأصل.
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناها من الأغاني.
[٣] في ت: «فآتي ما تحب».
[٤] الأبيات في الأغاني ٩/ ٢١٦.