المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٤ - ٤٤٨- قيس بن الملوح بن مزاحم، و هو مجنون ليلى
الحديث فلا يعرفه. فحدثه مرة بعض أهله بحديث [١] ثم سأله عنه في غداة غد فلم يعرفه، فقال: إنك لمجنون، فقال:
إني لأجلس في النادي أحدثهم * * * فأستفيق و قد غالتني الغول
يهوي بقلبي حديث النفس نحوكم * * * حتى يقول جليسي أنت مخبول
قال أبو عبيدة: فتزايد الأمر به حتى فقد عقله، فكان لا يقر في موضع، و لا يأويه رحل و لا يعلوه ثوب إلا مزقه، و صار لا يفهم شيئا مما يكام به إلا أن تذكر له ليلى، فإذا ذكرت أتى بالبداية، فيرجع عقله.
و [قد] [٢] روينا أن قوم ليلى شكوا منه إلى السلطان فأهدر دمه، فقال: الموت أروح لي، فعلموا أنه لا يزال يطلب غرتهم [٣]، فرحلوا، فجاء فأشرف فرأى ديارهم بلاقع [٤]، فقصد منزل ليلى فألصق صدره به و جعل يمرغ خديه على ترابه، و يقول:
أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوا * * * بذي سلم لا جادكنّ ربيع
و خيماتك اللاتي بمنعرجاللّوى * * * بلين بلى لم تبلهنّ ربوع
ندمت على ما كان منّي ندامة * * * كما يندم المغبون حين يبيع
و قال بعض مشايخ بني عامر [٥]: إن المجنون لقي ليلى و قومها قد رحلوا، فغشي عليه، فأقبل فتيان الحيّ فمسحوا وجهه و أسندوه إلى صدورهم، و سألوا ليلى أن تقف له، فقالت: لا يجوز أن أفتضح، و لكن يا فلانة- لأمة لها- اذهبي إليه و قولي له: ليلى تقرأ عليك السلام، و تقول لك أعزز عليّ بما أنت فيه، و لو وجدت سبيلا إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي، فمضت فأخبرته، فقال: أبلغيها السلام و قولي لها: إن دائي/ و دوائي أنت، و قد وكلت بي شقاء طويلا و بكى [٦]، و أنشأ يقول:
[١] في ت: «فيحدثه عن بعض أهله بحديث».
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت. و هذا الخبر في الأغاني ٢/ ٢٦.
[٣] غرتهم: غفلتهم.
[٤] أي: خالية.
[٥] الخبر في الأغاني ٢/ ٥٩.
[٦] في اللَّه انتهى الخبر دون ذكر البيت.