المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤ - و فيها قدم وفد بني عامر بن صعصعة
قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فأنا أشغل وجهه عنك، فأعله بالسيف. فلما قدموا [على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم]، جعل عامر يكلم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم و ينتظر من أربد ما أمره به، فلم يحر شيئا، فقال له: و اللَّه لأملأنها عليك خيلا جردا و رجالا مردا، فلما ولى،
قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم: «اللَّهمّ اكفني عامر بن الطفيل»،
فقال عامر لأربد: ويلك، أين ما أوصيتك به؟
قال: و اللَّه ما هممت بالذي أمرتني إلا دخلت بيني و بين الرجل [حتى ما أرى غيرك] [١] أ فأضربك بالسيف.
و خرجوا راجعين إلى بلادهم، فبعث اللَّه الطاعون على عامر في بعض طريقهم فقتله اللَّه في بيت امرأة من [بني] سلول، فجعل يقول: أ غدّة كغدة البعير، و أرسل على أربد صاعقة فأحرقته، و كان أربد أخا لبيد بن ربيعة من أمه.
و روى الزبير بن بكار بإسناده [٢]، أن عامر بن الطفيل أتى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فوسده وسادة، و
قال له: «أسلم يا عامر»
قال: على أن لي الوبر و لك المدر، فأبي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، فقام عامر مغضبا و قال: و اللَّه لأملأنها عليك خيلا جردا و رجالا مردا، و لأربطن بكل نخلة فرسا، فقال النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلم:
«لو أسلم و أسلمت بنو عامر لراحمت قريشا في منابرها».
ثم عاد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و قال:
«يا قوم آمنوا»،
ثم قال:
«اللَّهمّ اهد بني عامر.
و اشغل عني عامر بن الطفيل كيف و أنى شئت»،
فخرج فأخذته غدة مثل غدة البعير في بيت سلولية، فقال: يا موت ابرز لي، و أقبل يشتد و ينزو إلى السماء، و يقول: غده كغدة البعير و موت في بيت سلولية.
قال الحسن بن علي الحوماري: كان الطفيل بن مالك بن جعفر يكنى أبا علي، و كان من أشهر فرسان العرب بأسا و نجدة و أبعدها اسما حتى بلغ به ذلك أن قيصر كان قدم عليه قادم من العرب، قال له: ما بينك و بين عامر بن الطفيل، فإن ذكر نسبا عظم به عنده.
و لما مات عامر منصرفه عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم نصب عليه بنو عامر نصابا ميلا في ميل حمي على قبره و لا تسير فيه راعية و لا ترعى و لا يسلكه راكب و لا ماش.
[١] ما بين المعقوفتين: من أ.
[٢] البداية و النهاية ٥/ ٥٧.