المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٦٥ - ذكر بيعة أبي بكر رضي اللَّه عنه
إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم، لا تقربوهم، و اقضوا أمركم [يا معشر المهاجرين]. فقلت: و اللَّه لنأتينهم.
فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا هم مجتمعون، و إذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل [١]، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟
قالوا: وجع. فلما جلسنا قام خطيبهم، فأثنى على اللَّه عز و جل بما هو أهله، و قال: أما بعد، فنحن أنصار اللَّه عز و جل و كتيبة الإسلام، و أنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، و قد دفّت دافّة [٢] منكم تريدون أن تخزلونا [٣] من أصلنا، و تحصنونا من الأمر [٤]. فلما سكت أردت أن أتكلم، و كنت قد زوّرت [٥] مقالة أعجبتني أردت [٦] أن أقولها بين يدي/ أبي بكر رضي اللَّه عنه، و قد كنت أداري منه بعض الحد [٧]، و هو كان أحلم مني و أوقر، فقال أبو بكر رضي اللَّه عنه: على رسلك. فكرهت أن أغضبه، [و كان أحلم مني و أوقر] [٨]، و اللَّه ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته و أفضل، حتى سكت.
قال: أما بعد، فما ذكرتم من خير فأنتم له أهل، و لم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا و دارا، و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم، و أخذ بيدي و بيد أبي عبيدة بن الجراح، فلم أكره مما قال غيرها، و كان و اللَّه أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر رضي اللَّه عنه، إلا أن تغفر نفسي عند الموت، فقال قائل من الأنصار:
[١] مزمل: أي ملفوف في ثوبه.
[٢] الدافة: القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد.
[٣] و روي: «يختزلونا»، أي يقتطعونا.
[٤] يحصنونا من الأمر: أي يخرجون.
[٥] زورت: أعددت و أحسنت.
[٦] في الأصل: «أريد».
[٧] الحد: الغضب.
[٨] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من المسند.