المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٦٦ - فتح قبرس
من أبعد ما بيني و بينك من البيت، فقامت حتى جلست إلى عثمان بن عفان، فقال لها عثمان: إنك لعلك ترين شيبا و تقلبا في السن، فإن وراء ذلك غلالة من شباب. فقالت:
إن أحب الخلطاء إليّ لمن ذهبت عنه ميعة الشباب، و اجتمع حلمه، و وثق برأيه. فلما خرج قال له الناس: يا أمير المؤمنين، كيف رأيت أهلك؟ قال: رأيت أوفى عقلا من الداخلة عليّ.
و في رواية: أن سعيد بن العاص كان على الكوفة، فتزوج هند بنت الفرافصة، فبلغ ذلك عثمان، فكتب إليه: بلغني أنك تزوجت امرأة، فاكتب إليّ بنسبها و جمالها.
فكتب إليه إن كانت لها أخت فزوجنيها، فبعث سعيد إلى الفرافصة يخطب إحدى بناته على عثمان، فأمر الفرافصة ابنه ضبّا فزوجها إياه، و كان ضب مسلما، و الفرافصة نصرانيا، فلما أرادوا نقلها قال لها أبوها: إنك تقدمين على نساء من نساء قريش، من أقدر على الطيّب منك، فاحفظي عني [١] خصلتين: تكحلي و تطيبي بالماء حتى تكون ريحك ريح شنّ أصابه مطر. فلما جمّلت كربت لكربه، و حزنت لفراق أهلها، و أنشدت:
أ لست ترى باللَّه يا ضب أنني * * * مصاحبة نحو المدينة أركبا
لقد كان في أبناء حصن بن ضمضم * * * لك الويل مانع الحياء المحجبا
فلما قدمت على عثمان وضع عمامته فبدا الصلع، فقال: لا يهولنك ما ترين من صلعي، فإن وراءه ما تحبين. فسكتت. فقال: إما أن تقومي إليّ و إما أن أقوم إليك.
فقالت: أما ما ذكرت من الصلع فإنّي من نساء أحب بعولتهن السادة الصلع، و أما قولك:
إن تقومي أو أقوم، فو اللَّه لما تجشمت من حسبات السماوة أبعد مما بيني و بينك، بل أقوم إليك. فقامت، فجلست إلى جنبه، فمسح رأسها و دعا لها بالبركة، ثم قال:
اطرحي عنك رداءك. فطرحته، ثم قال: حلي إزارك. فقالت: ذاك إليك. فحلّ إزارها، و كانت من أحظى نسائه عنده.
أخبرنا محمد بن ناصر، أخبرنا ابن المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا أبو محمد
[١] في ت: «فاحفضي عن».