المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٨٧ - ٢١٥- عمرو بن معديكرب بن عبيد اللَّه بن عمرو بن عصم بن عمرو بن زبيد، أبو ثور الزبيدي
إني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك، و أنشأ يرتجز و يقول:
و كدت أغلاظا من الإيمان * * * إن عدت يا عمرو إلى الطغيان
لتوجزن لهب الشبان * * * و إلا فلست من بني شيبان
فلما قال هذا هبته هيبة شديدة، و قلت له إن بي إليك حاجة، قال: و ما هي؟
قلت: أكون لك صاحبا، و رضيت بذلك يا أمير المؤمنين، قال: لست من أصحابي، و كان ذلك و اللَّه أشد و أعظم مما صنع، فلم أزل أطلب إليه حتى قال [١]: ويحك و هل تدري أين أريد؟ قلت: لا، قال: أريد الموت عيانا، فقلت: رضيت بالموت معك، قال: امض بنا فسرنا جميعا يوما حتى جننا الليل و ذهب شطره، فوردنا على حيّ من أحياء العرب، فقال لي: يا عمرو، في هذا الحيّ الموت، و أومأ إلى قبة في الحي، فقال: و في تلك القبة الموت الأحمر، فإما أن تمسك علي فرسي فأنزل فآتي بحاجتي، و إما أن أمسك عليك فرسك و تأتيني بحاجتي، فقلت: لا بل انزل،/ فأنت أعرف بموضع حاجتك، فرمى إلي بعنان فرسه و نزل، و رضيت و اللَّه يا أمير المؤمنين أن أكون له سائسا، ثم مضى حتى دخل القبة فاستخرج منها جارية لم تر عيناي قط مثلها حسنا و جمالا، فحملها على ناقة ثم قال لي: يا عمرو، قلت: لبيك، قال: إما أن تحميني و أقود أنا، و إما أن أحميك و تقود أنت، قلت: لا بل تحميني [٢] و أقود أنا، فرمى إليّ بزمام ناقته ثم سرنا بين يديه و هو خلفنا حتى إذا أصبحنا قال لي: يا عمرو، قلت: لبيك ما تشاء، قال: التفت فانظر هل ترى أحدا؟ فالتفت فقلت: أرى جمالا، قال: اغذذ السير، ثم قال لي: يا عمرو، قلت: لبيك، قال: انظر فإن كان القوم قليلا فالجلد و القوة و هو الموت، و إن كانوا كثيرا فليسوا بشيء، قال: فالتفت فقلت: هم أربعة أو خمسة، قال:
أغذ السير، ففعلت و سمع وقع الخيل عن قرب، فقال لي: يا عمرو، كن عن يمين الطريق وقف و حول وجوه دوابنا [إلى الطريق] ففعلت و وقفت عن يمين الراحلة، و وقف هو عن يسارها، و دنا القوم منا فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ كبير، و هو أبو الجارية،:
و أخواها غلامان شابان، فسلموا فرددنا السلام [٣] و وقفوا عن يسار الطريق، فقال
[١] في الأصل: «فلم أزل أخضع له، قال».
[٢] «لا بل تحميني»: ساقطة من أ.
[٣] «فسلموا فرددنا السلام»: ساقطة من أ.