المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧٧ - فمن الحوادث فيها وقعة نهاوند
ندب عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه الناس مع سلمة بن قيس الأشجعي بالحرة إلى/ بعض أهل فارس، فقال: انطلقوا [بسم اللَّه و] [١] في سبيل اللَّه تقاتلون من كفر باللَّه، لا تغلوا، و لا تغدروا و لا تمثلوا و لا تقتلوا امرأة و لا صبيا و لا شيخا [هرما] [٢]، و إذا انتهيت إلى القوم فادعهم إلى الإسلام، فإن قبلوا فاقبل منهم و أعلمهم أنه لا نصيب لهم في الفيء، فإن أبوا فادعهم إلى الجزية، فإن قبلوا فضع عليهم بقدر طاقتهم، وضع فيهم جيشا يقاتل من وراءهم، و خلهم و ما وضعته عليهم، فإن أبوا فقاتلهم، و إن دعوكم إلى أن تعطوهم ذمة اللَّه و ذمة محمد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم فلا تعطوهم ذمة اللَّه و لا ذمة محمد، و لكن أعطوهم ذمة أنفسكم ثم وفوا لهم فإن أبوا عليكم فقاتلوهم، فإن اللَّه ناصركم عليهم.
فلما قدمنا البلاد دعوناهم إلى كل ما أمرنا به، فأبوا، فلما مسهم الحصر نادوا:
أعطونا ذمة اللَّه و ذمة محمد، فقلنا: لا، و لكن نعطيكم ذمة أنفسنا ثم نفي لكم، فأبوا فقاتلناهم فأصيب رجل من المسلمين، ثم ان اللَّه فتح علينا فملأ المسلمون أيديهم من متاع و رقيق ورقة ما شاءوا، ثم ان سلمة بن قيس أمير القوم دخل، فجعل يتخطى بيوت نارهم، فإذا سفطين معلقين بأعلى البيت، فقال: ما هذان السفطان، فقالوا: شيء كانت تعظم بها الملوك بيوت نارهم، قال: اهبطوهما إليّ، فإذا عليهما طوابع الملوك بعد الملوك، قال: ما أحسبهم طبعوا إلا على أمر نفيس، عليّ بالمسلمين، فلما جاءوا أخبرهم خبر السفطين، فقال: أردت أن أفضلهما بمحضر منكم، ففضهما فإذ هما مملوءان جوهرا لم ير مثله- أو قال: لم أر مثله- فأقبل بوجهه على المسلمين، فقال: يا معشر المسلمين قد علمتم ما أبلاكم اللَّه في وجهكم هذا، فهل لكم أن تطيبوا بهذين السفطين أنفسا لأمير المؤمنين لحوائجه و أموره و ما ينتابه، فأجابوه/ بصوت رجل واحد: إنا نشهد اللَّه أنا قد قبلنا و طابت أنفسنا لأمير المؤمنين، فدعاني فقال: قد عهدت أمير المؤمنين يوم الحرة و ما أوصانا به و ما اتبعنا من وصيته، و أمر السفطين و طيب أنفس المسلمين له بهما، فقد علمت به، فامض بهما إليه، و أصدقه الخبر ثم ارجع اليّ بما يقول لك، فقلت ما لي بد من صاحب، فقال: خذ بيدك من أحببت، فأخذت بيد رجل من القوم و انطلقنا
[١] ما بين المعقوفتين: من أ.
[٢] ما بين المعقوفتين: من أ، ظ.