المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٧٥ - فمن الحوادث فيها وقعة نهاوند
و وجه مقاتله، ثم اني هاز الثلاثة فمكبر فكبروا، و حامل فاحملوا، و مستنصر اللَّه برحمته [١] فاستنصروا اللَّه، فقال رجل: قد فهمنا ما أمرت أيها الأمير، و نحن واقفون عند رأيك، و منتهون إلى أمرك، و أي النهار تريد، أوله أم آخره؟ فقال: لا أريد أوله و لكن أريد آخره، فإن فيه تهب الرياح و ينزل النصر من السماء لمواقيت الصلاة، فلما زالت الشمس هز الراية فتعاهد الناس حزم دوابهم و خيولهم، ثم مكث حتى مالت الشمس عن كبد السماء هزها الثانية و صلى بالناس ركعتين خفيفتين، ثم وثب الرجال على متون الخيل، فوضع/ كل رجل رمحه بين أذني فرسه، و شدت الرجال مناطقها و أقبيتها على ظهورها و حسروا عن شمائلهم و أخذوا السيوف بأيمانهم، ثم كبر الثالثة و هز الراية ثم صوبها كأنها جناح طائر، ثم حمل و حمل المسلمون، فكان النعمان أول قتيل، و أتى عليه أخوه و هو قتيل، فطرح عليه ثوبه لئلا يعرف، و رفع الراية فإذا هي تنضح بالدماء، و هزم اللَّه العدو، و اتبعهم المسلمون، فأتى السائب بن الأقرع بالغنائم مثل الإكام، ثم أتاه دهقان، فقال له: أنت السائب بن الأقرع؟ قال: نعم، قال: أنت صاحب غنائم العرب؟ قال: نعم، قال: فهل لك أن تؤمنني على دمي و على دم ذوي قرابتي و أدلك على كنز النخيرجان؟ قال: و يحك إنك تسألني الأمان على دماء قوم لا أدري لعلهم يكونون أمة كثيرة و لا أدري ما كنزك، قال: هو كنز النخيرجان، أنه كان له امرأة ينتابها العالم، و ان كسرى كان يختلف إليها يزورها و معه وصائف عليهنّ المناطق المفضضة و أقبية الديباج، و كان لكسرى تاج ياقوت، و ذلك التاج و الحلّي مدفون لم يطلع عليه غيري، فانطلق حتى أدلك عليه ليكون لعمر لا حق فيه لأحد، لأنه دفن دفنوه و لم يجلبوا عليه في الحرب، فأخذ السائب المعول ثم خرج، فانطلق بهم حتى أدخلهم قلعة، فإذا هم بصخرة، فقال: أقلعوها فقلعوها فإذا تحتها سفطان ففتحهما، فرأى فيهما السائب شيئا لم ير مثله، و خواتيم من ذهب. قال السائب: فكتمته الناس، و أسرعت به السير إلى عمر حتى قدمت به عليه، فلما رآني ناداني من بعيد: ويحك ما وراءك، فو اللَّه ما بت هذه الليلة، و ما أتت ليلة بعد وفاة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم كانت أعظم عليّ منها. قال السائب:
فقلت: أبشر بفتح اللَّه و نصره، التقينا بنهاوند ... و قص عليه القصة إلى قتل النعمان.
[فقال عمر: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، يرحم اللَّه النعمان، يرحم اللَّه النعمان، يرحم اللَّه
[١] في الأصل: «مستنصر باللَّه».