المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٤ - و فيها كان فتح رامهرمز و السوس و فيها أسر الهرمزان
على مدخل يؤتون منه، فآمنه فدلهم، فأقبلوا إلى ذلك المكان، فأناموا كلّ مقاتل، و أرزأوا الهرمزان إلى القلعة، و أطافوا به، فقال: معي مائة نشابة، و اللَّه لا تصلون إلي ما دامت معي منها واحدة، قالوا: تريد ما ذا، قال: أن أضع يدي في أيديكم على حكم عمر يصنع بي ما يشاء، قالوا: فلك ذلك، فرمى قوسه فأكنهم من نفسه، فشدوه وثاقا، و اقتسموا ما أفاء اللَّه عليهم، و كان سهم الفارس فيها ثلاثة آلاف، و الراجل ألفا.
و خرج من تستر فل/ فقصدوا السوس، فاتبعهم أبو سبرة، و خرج معه بالنعمان و أبي موسى و الهرمزان، فلما أحاطوا به كتبوا بذلك إلى عمر، و وفد أبو سبرة و وفدا إلى عمر فيهم أنس بن مالك، و الأحنف بن قيس، و أرسل الهرمزان معهم، فلما دخلوا المدينة هيئوا الهرمزان في هيئته، فألبسوه كسوته، و وضعوا على رأسه التاج، فوجدوا عمر نائما في جانب المسجد، فقال الهرمزان: أين عمر؟ قالوا: ها هو ذا، قال: أين حراسة و حجابه، قالوا: ليس له حارس و لا حاجب، قال: فينبغي أن يكون نبيا، قالوا: بل يعمل عمل الأنبياء.
و استيقظ عمر، فقال: الهرمزان، قالوا: نعم هذا ملك الأهواز فكلمه، فقال: لا حتى لا يبقى من حليه شيء، فرموا ما عليه و ألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: يا هرمزان كيف رأيت و بال الغدر؟ فقال: يا عمر، إنا و إياكم في الجاهلية كان اللَّه قد خلى بيننا و بينكم، فغلبناكم إذا لم يكن معنا و لا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: ما عذرك [و ما حجتك] [١] في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، قال: لا تخف ذلك، و استسقى ماء فأتي به في قدح غليظ، فقال: لومت عطشا لم أستطع أن أشرب في هذا، فأتي به في إناء يرضاه، فجعلت يده ترعد، و قال: إني أخاف أن أقتل و أنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأه، فقال عمر: أعيدوا عليه، و لا تجمعوا عليه القتل و العطش، فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إني قاتلك، قال: قد آمنتني، قال: كذبت، فقال:
أنس: صدق يا أمير المؤمنين، قد آمنته، قال: ويحك يا أنس، أنا أؤمّن قاتل مجزأة بن ثور و البراء بن مالك، و اللَّه لتأتين بمخرج أو لأعاقبنّك، قال: قلت له: لا بأس عليك
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أوردناه من ظ، أ.