المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٥ - فمن الحوادث فيها فتح مدينة بهرسير
فلما دخل سعد و المسلمون بهرسير- و هي المدينة الدنيا- طلبوا السفن ليعبروا إلى المدينة القصوى، و هي المدائن، فلم يقدروا على شيء و وجدوا القوم قد ضموا السفن و لاح للمسلمين الأبيض [١]، فكبروا و قالوا: هذا أبيض كسرى، هذا ما وعد اللَّه و رسوله.
فأقاموا ببهرسير أياما من صفر، ثم جاء أعلاج، فدلوهم على مخاضة، فتردد سعد في ذلك، ثم فاجأهم المدّ، فرأى رؤيا، أن خيول المسلمين قد اقتحمت، فعبرت، فقال للناس: إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم، فقالوا: عزم اللَّه لنا و لك على الرشد، فافعل.
و أتى بعض العلوج فقال لسعد: إن أقمت ثلاثا ذهب يزدجرد بكل شيء من المدائن، فهيجه على العبور.
فقال سعد: من يبدأ و يحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم من الخروج؟ فانتدب له عاصم بن عمرو أول الناس، و انتدب معه ستمائة من أهل النجدات، فسار فيهم عاصم حتى وقف على شاطئ دجلة، ثم اقتحموا. فجاءت الأعاجم فقال عاصم: الرماح، فطعنوا القوم فلحقوهم فقتلوا عامتهم. فحينئذ أذن سعد للناس في الاقتحام، فاقتحموا دجلة، و إنها لترمى بالزّبد، و إن الناس ليتحدثون في عومهم كما يتحدثون على وجه الأرض، فكان الفرس يقوم براكبه، فربما لم يبلغ الماء الحزام، و ربما أعيا الفرس فتظهر له تلعة فيستريح عليها.
و كان سعد يقول في عومه: حسبنا اللَّه و نعيم الوكيل، و سلمان يحادثه في عومه حتى خرجوا فلم يفقدوا شيئا، و لم يغرق إلا رجل وقع من فرسه في الماء، فعاد إليه رجل، فأخذ بيده فعبر. و وقع من رجل قدح، فأخذه آخر، فجاء به إلى/ العسكر فعرفه صاحبه.
فلما رأى العدو ذلك هربوا لا يلوون على شيء، و جعلوا يقولون: إنما تقاتلون
[١] قال ياقوت: «الأبيض قصر الأكاسرة بالمدائن، كان من عجائب الدنيا، لم يزل قائما إلى أيام المكتفي في حدود سنة ٢٩٠».