المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩٢ - و فيها أمر عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه عمرو بن العاص مناجزة صاحب إيليا
و سرح معاوية إلى قيسارية، و كتب إلى عمرو يصدم الأرطبون، و إلى علقمة يصدم الفيقار.
فسار [١] معاوية إلى قيسارية، فهزم أهلها و حصرهم فيها، فجعلوا كلما خرجوا إليه هزمهم و ردهم إلى حصنهم، ثم قاتلوا فبلغت قتلاهم ثمانين ألفا، و كملت في هزيمتهم بمائة ألف. و انطلق علقمة، فحصر الفيقار بغزة، و صمد عمرو إلى الأرطبون و من بإزائه، و خرج معه شرحبيل بن حسنة على مقدمته، فنزل على الروم بأجنادين و الروم في حصونهم، و عليهم الأرطبون، و كان أدهى الروم و أبعدهم غورا، و كان قد وضع بالرملة جندا عظيما، و بإيلياء جندا عظيما، فأقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على شيء، فوليه بنفسه و دخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، و سمع كلامه، و تأمل حصنه، فقال الأرطبون في نفسه: هذا عمرو، ثم دعا حرسيّا، فقال: أخرج، فأقم مكان كذا و كذا، فإذا مرّ بك فأقتله، و فطن له عمرو، فقال: قد سمعت مني و سمعت منك، و أنا واحد من عشرة بعثنا عمر مع هذا الوالي، فأرجع فآتيك بهم، فإن رأوا في الّذي عرضت مثل الّذي أرى، و إلا رددتم إلى مأمنهم. فقال: نعم، ثم قال لرجل كان هناك:
اذهب إلى فلان فرده إليّ، ثم بان له أن عمرو قد خدعه، فبلغ الخبر إلى عمر، فقال: للَّه در عمرو، ثم التقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى بينهم، و انهزم أرطبون، فأوى إلى إيلياء، و نزل عمرو بأجنادين، فكتب إليه أرطبون: و اللَّه لا تفتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين، فارجع لا تغن [٢]، و إنما صاحب الفتح رجل اسمه على ثلاثة أحرف، فعلم عمرو أنه عمر، فكتب إلى عمر يعلمه أن الفتح مدخر له، فنادى له الناس، و استخلف علي بن أبي طالب،
فقال له علي: أين تخرج بنفسك؟
/ فقال: أبادر لجهاد العدو موت العباس، إنكم لو قد فقدتم العباس لانتقض بكم الشرّ كما ينتقض [أول] ( [٣)] الحبل.
فمات العباس لست خلون من إمارة عثمان، و انتقض بالناس الشر.
[١] تاريخ الطبري ٣/ ٦٠٤.
[٢] كذا في الأصول، و في الطبري ٣/ ٦٠٦: «لا تغر».
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، و أ، و أوردناه من الطبري، و ظ.