المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١١١ - و من الحوادث في هذه السنة عمرة أبي بكر رضي اللَّه عنه في رجب
[حجة خالد] [١] و خرج خالد حاجا من الفراض [٢] متكتما بحجه، يعتسف البلاد [٣] حتى أتى مكة بالسّمت [٤]، فتأتى له من ذلك ما لم يتأت له بدليل، و صار طريقا من طرق أهل الحيرة، فلما علم أبو بكر بذلك عتب عليه، و كانت عقوبته له أن صرفه إلى الشام، و كتب إليه:
سر حتى تأتي بجموع المسلمين باليرموك، و إياك أن تعود لما فعلت، و أتم يتم اللَّه لك و لا يدخلك عجب فتخسر، و إياك أن تدلّ بعملك فإن اللَّه له المن، و هو ولي الجزاء.
و هذا كله كان في سنة اثنتي عشرة
. و من الحوادث في هذه السنة [عمرة أبي بكر رضي اللَّه عنه في رجب]
ان أبا بكر اعتمر في رجب، فدخل مكة ضحوة، فأتى منزله و أبو قحافة جالس على باب داره و معه فتيان يحدثهم، فقيل له: هذا ابنك، فنهض قائما و عجل أبو بكر أن ينيخ راحلته فنزل عنها و هي قائمة، فجعل يقول: يا أبه لا تقم، ثم التزمه و قبل بين عينيه و هو يبكي فرحا بقدومه، و جاء إلى مكة عتاب بن أسيد، و سهيل بن عمرو، و عكرمة بن أبي جهل، و الحارث بن هشام، فسلموا عليه: سلام عليك يا خليفة رسول اللَّه، و صافحوه جميعا، فجعل أبو بكر يبكي حين يذكرون رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلم، و سلموا/ على أبي قحافة، فقال أبو قحافة: يا عتيق هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم، فقال أبو بكر: يا أبه لا حول و لا قوة إلا باللَّه، طوقت عظيما من الأمر لا قوة لي به و لا يدان إلا باللَّه، و قال: هل أحد يشتكي ظلامة، فما أتاه أحد. و أثنى الناس على و اليهم
. و في هذه السنة تزوج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل.
[١] تاريخ الطبري ٣/ ٣٨٤.
[٢] في الأصل: «من الفراة».
[٣] اعتسف الطريق إذا قطعه دون صوب توخاه فأصابه.
[٤] السمت: السير على الطريق بالظن.