المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٠٠ - فمن الحوادث فيها مسير خالد إلى العراق و صلح الحيرة
قاتلتكم، قالوا: لا حاجة لنا في حربك، فصالحهم على تسعين و مائة ألف درهم، فكانت أول جزية حملت إلى المدينة من العراق.
و في رواية أخرى: أن عبد المسيح لما حضر عند خالد وجد معه شيئا يقلبه في كفه، فقال: ما هذا؟ قال: سم، قال: و ما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي حمدت اللَّه و قبلته، و إن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلا أشربه و أستريح من الحياة، قال: هاته. فأخذه خالد، و قال: بسم اللَّه، و باللَّه رب الأرض و السماء الّذي لا يضر مع اسمه شيء، ثم أكله فجللته غشية، ثم ضرب بذقنه صدره طويلا ثم عرق و أفاق كأنما نشط من عقال، فرجع ابن بقيلة إلى قومه، فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سم ساعة فلم يضره فصانعوا القوم و ادرءوهم عنكم فإنّهم مصنوع لهم، فصالحوهم على مائة ألف درهم.
[قال مؤلف الكتاب] [١]: و هذا عبد المسيح هو ابن [٢] عمرو بن قيس بن حبان بن بقيلة، و اسم بقيلة ثعلبة، و قيل: الحارث، و إنما سمي بقيلة، لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا: ما أنت إلا بقيلة. و عاش عبد المسيح ثلاثمائة و خمسين سنة، و كان نصرانيا، و خرج بعض أهل الحيرة يخط ديرا في ظهرها، فلما حفر و أمعن وجد كهيئة البيت، و وجد رجلا على سرير من زجاج و عند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة و مكتوب بعده:
حلبت الدهر أشطر، حياتي * * * و نلت من المنى فوق المزيد
و كافحت الأمور و كافحتني * * * و لم أجعل بمعضلة كؤود
وكدت أنال في الشرف الثريا * * * و لكن لا سبيل إلى الخلود
روى مجالد، عن الشعبي [٣]: أقرأني بنو بقيلة كتاب خالد إلى أهل المدائن:
«من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس سلام على من اتبع الهدى، أما بعد/
[١] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، و أوردناه من أ.
[٢] في الأصل: «هو عمرو بن قيس».
[٣] الخبر في تاريخ الطبري ٣/ ٣٤٦، و البداية ٦/ ٣٨٦.