المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٥١ - قبض على الطائع في داره
اللَّه عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلا هو، و يسأله أن يصلي على سيدنا محمد عبده و رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تسليما أما بعد: أطال اللَّه بقاءك و أدام عزّك و تأييدك، و أحسن إمتاع أمير المؤمنين بك و بالنعمة فيك و عندك، فإن كتابك الوارد في صحبة الحسن بن محمد بن نصر رعاه اللَّه عرض على أمير المؤمنين تاليا لما تقدمه، و شافعا ما سبقه و متضمنا مثل ما حواه الكتاب قبله من إجماع المسلمين قبلك الخاص، و العام، بمشهد منك على خلع العاصي المتلقب بالطائع عن الإمامة، و نزعه عن منصب الخلافة لبوائقه المستمرة، و سوء نيته المدخولة، و إشهاده على نفسه بنكوله و عجزه، و إبرائه الكافة من بيعته و خروجهم من عهده و ذمته، و مبادرة الكبير و الصغير إلى المبايعة لأمير المؤمنين، و إصفاقهم و اتفاقهم عليها بانشراح في صدورهم، و انفساح من آمالهم، و استتباب ذلك بتلطفك من حسن الارتياد للمسلمين، و انتظامه بغضبك للَّه و لأمير المؤمنين، حتى ناديت بشعاره في الآفاق، و أقمت الدعوة للَّه في الأقطار، و رفعت من شأن الحق ما كان العاصي خفضه، و قمت من عماد الدين ما كان المخلوع رفضه و وقف أمير المؤمنين على ذلك كله، و أحاط علمه بجميعه و وجدك، أدام اللَّه تأييدك، قد انفردت بهذه المأثرة، و استحققت بها من اللَّه تعالى جليل الأثرة، و من أمير المؤمنين سني المنزلة، و عليّ المرتبة، و كانت هذه المنزلة عليك موقوفة، كما كانت الظنون فيها إليك مصروفة، حتى فزت بها بما يبقى لك في الدنيا ذكره و فخره، و في الآخرة ثوابه و أجره، فأحسن اللَّه عن هذه الأفعال مكافأتك، و أجزل عاجلا و آجلا مجازاتك، و شملك من توفيقه و تسديده و معونته و تأييده، بما يديم نصر أمير المؤمنين بك و ظفره على يدك، و جعلك أبدا مخصوصا بفضل السابقة في ولائه، متوحدا بتقدم القدم في أصفائه، فقد أصبحت و أمسيت سيف أمير المؤمنين لأعدائه، و الحاظي دون غيرك بجميل رأيك، و المستبد بحماية حوزته، و رعاية رعيته، و السفارة بينه و بين ودائع اللَّه عنده، و قد برزت راية أمير المؤمنين عن الصليق متوجهة نحو سريره الّذي حرسته، و مستقر عزه الّذي شيدته، و دار مملكته التي أنت عمادها، و رحى دولته التي أنت قطبها معتقدا لك ما يعتقد في المخلص طاعة و مشايعة، و المهذب نية و طوية من صنوف الاختصاص الّذي لا يضرب معك فيه بسهم دان و لا قاص، و توفي على كل سالف، و يفوت