نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٤ - الشرح والتفسير قبسات من صفات اللَّه ورسوله
مخلوقاته المتناهية من جميع الجوانب عن درك كنه ذاته، وعليه إنّما ندرك تلك الذات عن طريق آثاره العجيبة السائدة في عالم الوجود؛ ومن هنا فإن قلنا أوضح من كلّ شيء وأخفى من كلّ شيء فذلك ناظر لهذين البعدين؛ من حيث آثار علمه وقدرته ظاهراً تماماً، وخفي من حيث كنه ذاته.
ثم خاض في الصفة الخامسة والسادسة فقال: «الْعَالِمِ بِلَا اكْتِسَاب وَلَا ازْدِيَاد، وَلَا عِلْم مُسْتَفَاد، الْمُقَدِّرِ لِجَمِيعِ الْامُورِ بِلَا رَوِيَّة وَلَا ضَمِير».
لا شك في أنّ علم اللَّه كذاته لا متناهٍ، فلا يحتاج إلى اكتساب ولا تعلم من آخر، وهذا يقتصر على ذوي العلم المحدود والذين لهم الازدياد من خلال ثلاثة طرق:
التجربة وأمثالها، تأثير العلوم في بعضها والانتقال من مسالة لأخرى، وأخيراً التتلمذ والتعلم من الآخرين، أمّا مَن كان علمه لا متناهٍ فغني عن كلّ هذه الأمور، كما هو غني عن إحالة الفكر في خلق الكائنات وتقدير كلّ مخلوق من حيث الكمية والكيفية والقوانين التي تحكمه، فلا حاجة للرجوع إلى الوجدان بخلاف الإنسان الذي يحاول اختراع شيء ربّما يستغرق أحياناً لسنوات ويطالع ويستعين بمعلوماته وأفكاره لينجح في محاولته.
وقال في الصفة السابعة والثامنة: «الَّذِي لَاتَغْشَاهُ الظُّلَمُ، وَلَايَسْتَضِيءُ بِالْانْوَارِ».
ثم تطرق إلى الصفة التاسعة والعاشرة لايضاح هذا المطلب فقال: «وَلَا يَرْهَقُهُ [١] لَيْلٌ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارٌ». ولعل هذه العبارات تشير إلى أنّ ذاته القدسيّة جلية دائماً عن طريق الآثار ولا يعتريها الليل والنهار، أو إشارة إلى غناه عن الضياء بخلاف الإنسان في المشاهدة والاحاطة بالاشياء.
وقال في الصفة الحادية عشرة والثانية عشرة المكملة والموضحة لما سبق من صفات «لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالْابْصَارِ، وَلَا عِلْمُهُ بالْاخْبَارِ». فهذه الأمور مرتبطة بالجسم والجسمانيات وذوي العلوم الناقصة والمحدودة، هو ليس من قبيل الأجسام ولا
[١]. «يرهقه» من مادة «رهق» على وزن «شفق» غشي الشيء أو القهر والغلبة كما وردت بمعنى تسلط الشيء.