نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧ - الشرح والتفسير الدنيا ممرّ
ثم واصل الإمام عليه السلام حديثه عن الزهد في الدنيا مشيراً إلى نقطة ثالثة فقال:
«وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ».
إخراج القلوب، كناية لطيفة عن ترك التعلّقات الدنيوية والتهافت على متاعها وحطامها، والتعبير «مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ ...» تحذير من تقلب هذا العالم بمعنى أفيقوا فإنّ هذه الأجساد ستصبح تراباً فاسعوا لإخراج قلوبكم من هذه الدنيا قبل الأوان فحبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة.
طبعاً لا يعني هذا أن لا يتمتع المسلمون بحوائج الحياة أو أن تتخلف المجتمعات الإسلاميّة عن التقدم الاقتصادي ويحتاجون إلى غيرهم، بل المراد التبعية الشديدة التي تضطر الإنسان لخرق القانون ومن هنا عدّ الشرّاح هذه العبارة إشارة لترك الأموال الحرام.
ثم قال في رابع نقطة واكمال ما سبق فقال: «فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ».
فهاتان العبارتان الموجزتان توضحان كلّ شي ويشير الالتفات إليهما إلى المسار السعيد لحياة الإنسان، نعم فالدنيا دار امتحان والآخرة دار الخلود، قال تعالى:
«أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» [١]، فالامتحان الإلهي كوسيلة لتكامل الإنسان وتهذيبه أمر قطعي لا مفرّ منه وبعبارة أخرى من أهداف خلق الإنسان الذي لا استثناء فيه ولابدّ من التعرض لها في الليل والنهار والسر والعلانية والكهولة والشباب.
ثم أشار إلى ثلاثة أمور مهمّة أخرى وقال؛ «إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَك قَالَ النَّاسُ: مَا تَرَك؟ وَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟».
المراد من الناس هنا المتعلقين بالدنيا الذين غالباً ما يسألون عن أموال وثروات من يموت، والحال انقطعوا نهائياً عن تلك الأموال وعليهم أن يجيبوا عن طرق تحصيل هذه الأموال يوم القيامة والطريف أنّه جعل مقابلهم الملائكة الذين يقتصر
[١]. سورة العنكبوت، الآيتان ٢ و ٣.