نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - الشرح والتفسير عقبات الموت لاتستوعب في الالفاظ
وَمُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ، وَمُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ، يُذَكِّرُهُمْ أَسَى [١] الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ».
وأخيراً بيّن الإمام عليه السلام رابع وآخر مرحلة حياة هذا المريض. حين يكون على اعتاب الموت والتأهب لسفر الآخرة ومغادرة هذا العالم فقال: «فَبَيْنَا هُوَ كَذلِك عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الأَحِبَّةِ، إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ، فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ، وَيَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ».
ثم قال مواصلًا كلامه: «فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ، وَدُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَ [٢] عَنْهُ، مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ، أَوْ صَغِيرٍ كانَ يَرْحَمُهُ!».
نعم! وفي هذه الحالة حيث يعلم بحلول أجله ونهاية عمره يغط في التفكير في الأموال التي أخفاها أو الديون على الآخرين ويريد إبلاغها الورثة أو يريد أن يحدّث أهله عن قضايا الدفن وموضع القبر فلا يسعه الكلام.
أشار ابن أبي الحديد هنا إلى قصة فيها عبرة حيث أنّه شهدها آنذاك وهي أنّ أحدهم حضرته الوفاة فأراد الوصيّة فانعقد لسانه فأشار إلى القلم والدواة ليكتب فاضطربت يده فكتب كلاماً غير مفهوم حتى توفي [٣].
واختتم الإمام عليه السلام خطبته العظيمة الموقظة بهذه العبارة فقال: «وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ [٤] هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ، أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا».
نقل المرحوم العلّامة التستري في شرحه لنهج البلاغة حديثاً عن كتاب «الكافي» عن الإمام الباقر عليه السلام قال: «إنّ فِتيةً مِنْ أولادِ مُلوك بَني إسرائيل كَانُوا مُتعبِّدينَ وَكانتْ العِبادةُ فِي أولادِ بنياسرائيل، وإنّهم خَرجُوا يَسيرونَ فِي البِلادِ لَيعتَبِروا فَمرّوا بِقَبرٍ عَلى ظَهرِ الطّريقِ قَد سفى عِليهِ السّافي، لَيس يُبيّن مِنهُ إلّا
[١]. «اسَى» الغم والحزن ووردت في بعض النسخ «اسى» (بضم الهمزة) جمع «أسو» بمعنى الأسوة والمعنيان مناسبان في الخطبة.
[٢]. «فتصام» من مادة «صمّ» طرش الاذن و «تصام» تظاهر بالصمم.
[٣]. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج ١١، ص ١٦٧.
[٤]. «غمرات» جمع «غمرة» مضى معناها في الفقرة السابقة.