نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧١ - الشرح والتفسير مصير السائرين على الصراط
على خدمتهم كما ورد في القرآن: «الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّه ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ» [١].
وقد عمهم الأمن والسكينة بمضمون «هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ» [٢]. وتنتظرهم بمضمون «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّات وَنَهَر* فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ» [٣] مقامات لا توصف من الفضل والرحمة الإلهيّة.
حقاً حين يقرأ الإنسان هذه الكلمات العميقة المعنى كيف يبلغ أولياء اللَّه في ظل العبودية مقاماً لا يرى سوى اللَّه يستغرق في التفكير في عظم الاستعداد الذي يملكه ولو عرف قدره وفجر استعداده.
ثم خاض في جانب آخر من أحوال أهل الذكر في إرتباطهم باللَّه وعبادته في الخلوات فقال عليه السلام: «يَتَنَسَّمُونَ [٤] بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ، رَهَائِنُ فَاقَةٍ إِلَى فَضْلِهِ، وَأُسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ، جَرَحَ طُولُ الأَسَى [٥] قُلُوبَهُمْ، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ».
إشارة إلى أنّهم كلما جدّوا في الطاعة والعبودية شعروا بالتقصير أزاء عظمة اللَّه، ومن هنا يتجهون إليه على الدوام ويلتمسون السكينة عن طريق العفو، ومن جانب آخر فإنّهم لايعوّلون قط على أعمالهم، بل يتكلون على فضل اللَّه فيثقل الهم قلوبهم ويكشف ذلك الهم عيونهم الباكية.
ثم قال عليه السلام: «لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إِلَى اللَّه مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ، يَسْأَلُونَ مَنْ لَا تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ [٦]، وَلَا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ».
إشارة إلى أنّهم لا يتعلقون بأعمالهم وكل أملهم بكرم اللَّه.
يقرعون كلّ باب ويأتون بكلّ عمل يعتقدون بأنّه سبب لمرضاة اللَّه واستنزال
[١]. سورة فصلت، الآية ٣٠.
[٢]. سورة الفتح، الآية ٤.
[٣]. سورة القمر، الآيتان ٥٤ و ٥٥.
[٤]. «يتنسمون» من «النسيم» فالعبارة «يتنسمون» تعني أنّهم ينتظرون النسيم و «التنسُم» بمعنى التنفس.
[٥]. «الأسى» الحزن.
[٦]. «المنادح» جمع «مندوحة» الأرض الواسعة ثم اطلقت على كلّ نظام واسع فيه حرية.