نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٦ - الشرح والتفسير أحوال الأموات!
بالطرق العادية (كالبصر والسمع)، بل بطرق أعمق وأقوى من خلال بصيرة القلب وسمع العقل، كما أنّ تكلّمهم ليس بلسان القال، بل بلسان الحال الأعمق آثاراً، فلسان القال قد يشوبه الكذب الذي لا مجال له للسان الحال.
ولنرى الآن ما يقولون بهذا اللسان؟ يشير الإمام عليه السلام إلى طبيعة كلامهم: «فَقَالُوا:
كَلَحَتِ [١] الْوُجُوهُ النَّواضِرُ [٢]، وَخَوَتِ [٣] الأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ، وَلَبِسْنَا أَهْدَامَ [٤] الْبِلَى، وَتَكَاءَدَنَا [٥] ضِيقُ الْمَضْجَعِ، وَتَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ، وَتَهَكَّمَتْ [٦] عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ [٧]».
نعم! يتحدثون أحياناً عن مصير أبدانهم وأخرى عن مواضعهم. الأبدان الذابلة بداية، الوجوه العابسة، ومن ثم تحلّلها، وبالتالي تفسّخها واستحالتها إلى تراب، القبور الضيقة والمظلمة والباردة الساكنة وقد سيطرت عليهم أجواء الرعب فسادهم الصمت التام.
ثم قال: «فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا، وَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا، وَطَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا؛ وَلَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً، وَلَا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً!».
نعم! فالوجوه النظرة الجميلة والمعروفة والمساكن الواسعة والفارهة التي قلبت رأساً على عقب بحلول الموت، فتبدلت تلك المنازل الجميلة الفارهة إلى قبور مقفرة مظلمة، وتلك الوجوه الناعمة لم تفقد نضارتها وحيويتها فحسب؛ بل تحولت إلى أشباح موحشة.
ومن هنا قال النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في كلمة موجزة موقظة: «ما رَأَيْتُ مَنْظَراً إلّاوَالْقَبرُ
[١]. «كلحت» من «الكلوح» على وزن «طلوع» الوجه العابس والمقطب.
[٢]. «نواضر» من «نضرة» على وزن «دفعة» الحسنة الباسمة المتفتحة.
[٣]. «خوت» من «خواء» بمعنى تهدمت وتلاشت.
[٤]. «اهدام» جمع «هدم» على وزن «حرص» الثوب البالي والمرقع.
[٥]. «تكاؤدنا» من «التكاؤد» المشقة ومادته «كأد» على وزن «رعد».
[٦]. «تهكمت» من «التهكّم» السقوط في بئر وما شابه ذلك أو التهدم.
[٧]. «الصموت» السكوت وفي العبارة مصدر له معنى وصفي.