نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٧ - الشرح والتفسير أولياء اللَّه وأهل الذكر
الجملة «يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ» إشارة إلى أنّ ذكر اللَّه وآثاره المباركة ليست مرتبطة بيوم أوبضعة ايام من عمرهم، بل يشمل أيّام حياتهم منذ الشباب حتى الكهولة والشيخوخة.
وتشير العبارات بعدها إلى أنّهم لا يتخلون قط كالمتقوقعين عن المسؤوليّات الاجتماعية؛ بل نشطون للغاية في ميدان إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالنظر إلى أنّ العبارة وردت بصيغة الفعل المضارع والفعل المضارع يدل على الاستمرار، فهي إشارة إلى أنّ أعمالهم الصالحة هذه دائمية.
جدير ذكره أنّ الإمام بيّن هنا أنّهم يأمرون بالمعروف ويأتمرون به وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، كما قال الإمام عليه السلام في الخطبة ١٧٥: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي، وَاللَّه، مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا!».
ثم خاض الإمام عليه السلام في مزيد من الشرح بخصوص أحوال أولياء اللَّه وأهل الذكر فقال: «فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذلِك».
نعم! فهؤلاء يرون هذا العالم بأعينهم الباصرة النافذة عالم ما بعد الموت والقيامة والبرزخ ويشاهدون مصير الأخيار والأشرار.
ثم قال في ايضاح ذلك الكلام: «فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ فِي طَولِ الْاقَامَةِ فِيهِ، وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا [١]».
ثمّ بيّن نتيجة هذه المكاشفة الروحية: «فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذلِك لِاهْلِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ، وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ».
لم يعجز أهل الدنيا العاديون عن إدراك أحوال البرزخ والآخرة بينما يشاهدهما
[١]. «عدات» جمع «عدة» بمعنى الوعود وقوله عليه السلام: (وحققت القيامة عليهم عداتها) في الواقع نوع من المجاز، لأنّ الوعود الإلهيّة وعود الثواب والعقاب عالم تحققه هو عالم القيامة، وعليه فلا ينبغي تصور الحاجة إلى الحذف والتقدير.