نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤١ - الشرح والتفسير العالم العجيب بعد الموت
المجيد: «وَمِنْ وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» [١] ولكن البرزخ هنا يعني القبر بقرينة العبارات التي أعقبتها كما ورد في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: «الْبَرْزَخُ الْقَبْرُ» [٢] طبعاً أحياناً القبر بمعناه المادي من قبيل ما ورد في هذه الخطبة وأحياناً أخرى بمعناه غير المادي من قبيل ماورد في الحديث المشهور: «الْقَبْرُ إمّا رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الْجَنَّةِ اوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرانِ» [٣].
ثم قال موضحاً أكثر: «فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ [٤] قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ، وَضِمَاراً [٥] لَايُوجَدُونَ؛ لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الأَهْوَالِ، وَلَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الأَحْوَالِ، وَلَا يَحْفِلُونَ [٦] بِالرَّوَاجِفِ [٧]، وَلَا يَأْذَنُونَ لِلْقَواصِفِ [٨]. غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ، وَشُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ، وَإِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا، وَآلَافاً [٩] فَافْتَرَقُوا».
ما ورد في هذه العبارات الملهبة إشارة بالظاهر لجسم الأموات، وإن كانت لأرواحهم في العالم الآخر احساس وخوف ورعب وهمّ وحزن.
نعم ففي لحظة يغمض الإنسان- اليقظ والضاحك أو المهموم المحزون النشط أو الكسل- عينيه عن الدنيا وتنتهي عنده جميع ظواهر الحياة حتى يتحول إلى حجرة خالية من الروح.
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة أخرى فقال: «وَمَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ، وَلَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ، عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ، وَصَمَّتْ دِيَارُهُمْ، وَلكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ
[١]. سورة المؤمنون، الآية ١٠٠.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٦، ص ٢١٧.
[٣]. المصدر السابق، ص ٢١٤؛ صحيح الترمذي، ج ٤، كتاب صفة القيامة، باب ٢٦، ح ٢٤٦٠.
[٤]. «فجوات» جمع «فجوة» الموضع الواسع ويعني الفرجة وورد هنا بمعنى شق القبر.
[٥]. «ضمار» الغائب أو المال الذي لا يؤمل رجوعه ومن مادة «ضمر» على وزن «أمر» بمعتى الإخفاء.
[٦]. «يحفلون» من مادة «حفول» تجمع الأفراد وورد بمعنى اللامبالاة بالشيء و «لا يحفلون» هنا تعني لا يبالون.
[٧]. «رواجف» جمع «راجفة» الزلازل ومن مادة «رجف» على وزن «ربط» بمعنى الاضطراب والزلزال الشديد.
[٨]. «قواصف» جمع «قاصف» بمعنى الرياح والعاصفة العاتية ومن مادة «قصف» على وزن «وصف» الكسر.
[٩]. «آلاف» جمع «أليف» بمعنى من يتعلق بالشيء ومن مادة «إلفة».