نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٧ - الشرح والتفسير خصائص البيئة الملوثة
القسم الثاني
وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّه أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَاللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، وَاللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ. أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْادْهَانِ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَشَائِبُهُمْ آثِمٌ، وَعَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَقَارِنُهُمْ مُمَاذِقٌ. لَا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلَا يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ.
الشرح والتفسير: خصائص البيئة الملوثة
تناول الإمام عليه السلام في هذا الجانب من الخطبة، المفاسد التي ظهرت آنذاك إثر سياسات الخلافة السابقة والتي سرت تقريباً إلى جميع المجتمعات، ليرسم صورة واضحة لذلك المجتمع بإحدى عشرة عبارة موجزة غاية في الدقّة بحيث لم ينس شيئاً (وهذا مفهوم الفصاحة والبلاغة والخطابة المعجزة) فقال: «وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّه أَنَّكُمْ فِي زَمَان الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَاللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ [١]، وَاللَّازِمُ لِلْحَقِ ذَلِيلٌ».
فقد شخّص عليه السلام بهذه الصفات الثلاث، الجذور الأصلية لفساد المجتمع، سكوت أهل الحق خشية المعارضين أو إزدياد الأزمات، وصمت الصادقين بفعل ضغوط البيئة والهيئة الحاكمة أو مخافة زوال مصالحهم الشخصية أو التلوث بالكذب والإفتراء عوض الصدق وكذلك أولئك الذين ينشدون الحق ويطلبونه ينحون أو ينسحبون من المجتمع وليس هنالك من يسمع مقالتهم الحقة، وزبدة القول ينسى
[١]. «كليل» من مادة «كلّ» على وزن «حلّ» التعب والعجز والضعف والكليل التعبان والعاجز والضعيف.