نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٤ - ١ البكاء على الأعزّة
تأمّلان
١. البكاء على الأعزّة
يستفاد من هذه الخطبة والروايات، عدم المنع من البكاء على مصاب الأعزّة.
والمنع يقتصر على الجزع والجحود، فقلب الإنسان بؤرة العواطف والتي تؤثر عليه سيما حين تشتد. فإذا فقد عزيزاً اضطرب القلب وجرت الدموع ويختنق الإنسان بعبرته وينطلق اللسان لبيان شوقه ولهفته للعزيز الفقيد، هذه الأمور جميعاً ليست ممنوعة، بل ممدوحة شريطة اقترانها بالصبر، والممنوع أن يجزع الإنسان ويضرب رأسه بالجدار ويخمش وجهه وينطلق لسانه بالباطل.
ففي الخبر: لما بلغ النّبي صلى الله عليه و آله استشهاد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة (في موقعة مؤتة) بكاهما وقال: «إِنِّهُما كَانا يُحدِّثانِي وَكُنتُ آنسُ بِهِما فَماتَا مَعاً» [١].
كما ورد في غزوة احد أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لما رجع إلى المدينة وكان يسمع كلّ بيت يبكي قتيله سوى بيت عمّه حمزة، غضب وقال: «وَلَكِن حَمزةَ لابَواكِي لَهُ».
فلما سمع أهل المدينة ذلك أقسموا أن لا يبكوا أحداً حتى يبكوا على حمزة. وقد استمرت هذه السّنّة حتى اليوم (حين حديث الإمام الباقر عليه السلام) [٢].
كما وردت عن المعصومين عليهم السلام عدّة روايات في النهي عن الجزع، ومنها أنّ أميرالمؤمنين علي عليه السلام قال: «إنَّك إنْ صَبَرْتَ جَرَتْ عَلَيْك الْمَقاديرُ وَأنْتَ مَأجُورٌ وَ إنْ جَزِعْتَ جَرَتْ عَلَيْك الْمَقاديرُ وَأنْتَ مَعْذورٌ» [٣].
لا ينبغي أن ننسى أنّ الجزع ناهيك عن كونه نوعاً من جحود اللَّه، فهو ينطوي على آثار سيئة تصيب أعصاب الإنسان وتسوقه أحياناً إلى حدّ الجنون.
[١]. من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ١٧٧، ح ٥٢٧.
[٢]. المصدر السابق، ص ١٨٣، ح ٥٥٣.
[٣]. مستدرك وسائل الشيعة، ج ٢، ص ٤٣١، ح ٤٠.