نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦ - الشرح والتفسير لوعة علي عليه السلام عند قبر الزهراء عليها السلام
ابْنَتِك النَّازِلَةِ فِي جِوَارِك، وَالسَّرِيعَةِ اللِّحَاقِ بِكَ».
ورغم أنّ مضمون كلام الإمام عليه السلام، شكوى أليمة ومفجعة؛ إلّاأنّ أدب الخطاب يقتضي أن يستهلّه بتحية النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله والسلام عليه.
تفيد العبارة: «النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ» أنّ قبر سيّدة النساء عند قبر النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله وهذا يدعم نظرية من يرى أنّ الزهراء عليها السلام إنّما دفنت في بيتها.
طبعاً يمكننا أن نعتبر الدفن في البقيع على أنّه إلى جوار رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أو أن نعتبر المراد بالجوار هو الجوار الروحي والمعنوي في الجنّة؛ غير أنّ المعنى الأوّل أنسب لظاهر العبارة ويؤيد ذلك العديد من الروايات.
أورد المرحوم الكليني رواية تقول: إنّ أحد الصحابة أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن قبر فاطمة عليها السلام فقال: «دُفِنَتْ في بَيْتِها فَلَمّا زادَتْ بَنُو امَيَّةَ في الْمَسْجِدِ صارَتْ فِي الْمَسْجِدِ» [١].
العبارة: «السَّرِيعَةِ اللِّحَاقِ بِكَ» إشارة عميقة المعنى لهول مصائب الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام التي ساقتها في ربيع عنفوان شبابها إلى الدار الأبدية فتكون المدّة التي أعقبت التحاقها بالنّبي الأكرم صلى الله عليه و آله طبق بعض الروايات ٤٥ يوماً وطبق البعض الآخر ٧٥ يوماً وطبق روايةأخرى ٩٥ يوماً، كما قيل حسب بعضالروايات غيرالمشهورة ٤ أشهر و ٦ أشهر وهذا ما سنتطرق له في مبحث التأملات بالإضافة إلى موضع قبرها.
ثم واصل الإمام عليه السلام خطابه للنّبي الأكرم صلى الله عليه و آله قائلًا: «قَلَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَنْ صَفِيَّتِك [٢] صَبْرِي، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي [٣]، إِلَّا أَنَّ فِي التَّأَسِّي [٤] لِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِك،
[١]. الكافي، ج ١، ص ٤٦١، باب مولد الزهراء عليها السلام، ح ٩.
[٢]. «صفيّة» من مادة «صفو» على وزن «عفو» بمعنى الصافي والطاهر وصفيّ بمعنى المصطفى. وقد ذكرالإمام عليه السلام بنت النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بصفتها صفية ليعكس علو شأنها وجلالة قدرها.
[٣]. «تجلّد» من مادة «جلد»، على وزن «بلد» و «جلادة» التي تعني الصبر والاستقامة و «تجلّد» هنا إشارة إلى التحمل والصبر على المصيبة.
[٤]. «تأسّي» تأتي أحياناً بمعنى الاقتداء وأحياناً أخرى بمعنى الاغتمام والمعنى الثاني هنا أنسب، لأنّ الكلام عن الهم والغم والحزن وليس الاقتداء، وإن ذهب بعض الشرّاح إلى المعنى الأوّل ويبدو أنّ سبب خطأهم ما تعارف عليه في الاستعمالات المتداولة.