نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢ - الشرح والتفسير حجج طلحة والزبير
خلال الكناية.
وهذا ما كان يتوقعه طلحة والزبير من الإمام عليه السلام؛ فكان طلحة يطمح في حكومة البصرة، والزبير في حكومة الكوفة، وقال البعض: إنّ طلحة كان يريد حكومة اليمن، والزبير حكومة العراق، ولما كانت مثل هذه الرشاوى السياسية تقود عادة إلى تجزئة الدولة بغض النظر عن مخالفتها لروح العدالة، ناهيك عن كون ذلك هو السبب الذي أدى إلى قيام المسلمين على عثمان فإنّ الإمام لم يستجب لتلك الطموحات.
وحين يئس طلحة والزبير من تحقيق غرضهما أخذا بالنقد والإشكال على الإمام أوّلًا، ثم أشعلا نار الجمل؛ النار التي احترقا في أتونها فقال عليه السلام: «لَقَدْ نَقَمْتُمَا [١] يَسِيراً، وَأَرْجَأْتُما [٢] كَثِيراً».
والمراد من اليسير ترك مشورتهما، والمراد من الكثير مصالح المسلمين، فطلحة والزبير استعانا بذرائع واهية بغية تحقيق أهدافهما وأدارا ظهريهما لمصالح المسلمين التي تفرزها وحدة الصف والوقوف خلف الإمام عليه السلام، وهذا هو أسلوب الباحثين عن العيوب ضيقي الافق الذين يضحون بمصالح الامّة من أجل تحقيق أطماعهم.
ثم قال الإمام عليه السلام: «أَلَا تُخْبِرَانِي، أَيُّ شَيْء كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ؟ أَمْ أَيُّ قَسْم اسْتَأْثَرْتُ [٣] عَلَيْكُمَا بِهِ؟ أَمْ أَيُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعُفْتُ عَنْهُ، أَمْ جَهِلْتُهُ، أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ!».
الواقع أنّ الإمام عليه السلام أراد بهذه العبارة أن يغلق جميع أبواب النقد والإشكال التي يمكن أن يلجها طلحة والزبير، فالانتقاد إمّا يرتبط بحقهما الشخصي أو بسائر المسلمين، ومطالباتهما الشخصية إمّا تتعلق بضياع حقهما أو التصرف فيه، وما يتعلق بسائر
[١]. «نقمتما» من مادة «نقم» على وزن «قلم» تعني في الأصل الإنكار على الشخص أو الشيء؛ سواء باللسان أوبالعمل عن طريق العقاب ومنه الانتقام ووردت هنا بمعنى الإنكار اللفظي.
[٢]. «أرجأتما» من «الإرجاء» بمعنى التأخير ومادتها الأصلية «رجاء» بمعنى الأمل وقد استعملت بهذا المعنى كون الإنسان يؤخر العمل في أغلب المواقع بغية تحقيق الهدف.
[٣]. «استأثرت» من «الاستئثار» يعني خص النفس بالشيء الحسن. وفسّرت أحياناً بالاستبداد والاحتكار ومادتهاالأصلية «اثر» بمعنى العلامة.